|
المؤلف: نور الدين أبو لحية |
العودة للكتاب: الحقوق الشرعية للأولاد
القاصرين |
الناشر: دار الكتاب
الحديث |
الفهرس
|
الحق الثاني: حق
اللقيط في النسب ثبوت نسب اللقيط
بالعلاقة غير الشرعية: الحق الثالث: الحق الديني
للقيط |
من
القرآن الكريم
قال تعالى:﴿ وَآتُوا الْيَتَامَى
أَمْوَالَهُمْ وَلا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ وَلا تَأْكُلُوا
أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوباً كَبِيراً﴾
(النساء:2)
قال تعالى:﴿ وَيَسْأَلونَكَ عَنِ
الْيَتَامَى قُلْ إِصْلاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ
وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ
لاعْنَتَكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (البقرة: من الآية220)
قال تعالى:﴿ وَيَسْتَفْتُونَكَ فِى ٱلنِّسَآءِ
قُلِ ٱللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ فِى ٱلْكِتَـٰبِ
فِى يَتَـٰمَى ٱلنِّسَآءِ ٱلَّلَـٰتِى لاَ تُؤْتُونَهُنَّ
مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَن تَنكِحُوهُنَّ وَٱلْمُسْتَضْعَفِينَ
مِنَ ٱلْوِلْدَٰنِ وَأَن تَقُومُواْ لِلْيَتَـٰمَىٰ بِٱلْقِسْطِ
وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِهِ عَلِيماً ﴾
(النساء: 127)
من
السنة المطهرة
قال - صلى الله عليه وسلم -:( اتّجروا في أموال
اليتامى لا تأكلها الزكاة) (رواه الطبراني في الأوسط)
هذا هو الجزء الأخير من هذه المجموعة، وقد
حاولنا فيه ـ كسائر الأجزاء الأخيرة من المجموعات السابقة ـ أن نتحدث عما يمكن
تسميته (ضوابط الحماية في الفقه الإسلامي)[1]
فكما أن هناك أولادا يعيشون في أسر عادية، لهم
أب يحميهم ويرعاهم، وأم تمدهم بحنانها وعطفها، وهم الأعم الأغلب[2]، لكن هناك أيضا أولاد حرموا هذه الرعاية الأسرية بهذه الصفة،
وصاروا محلا لأن تختطفهم الأيادي الآثمة أو الشوارع المنحرفة.
لذلك جاءت التشريعات الرحيمة الكثيرة لتسد هذه
الخلة، وترفع القصور عن هذه الفئة المستضعفة، فتمدها بما يحميها من آثام الأيدي،
وانحراف الشوارع.
والقرآن الكريم ـ الذي هو المصدر الأول للتشريع
ـ مليء بالنصوص الدالة على ضرورة الاهتمام بهذه الفئة، وإعطاء حقوقها، لذلك كان
البحث عن السبل التي تحقق هذا الأمر القرآني ضروريا، ولا يحققه مثل النظر المقاصدي
الذي يراعي مقاصد القرآن الكريم من الاهتمام بهذه الفئة.
وقد حصرنا ـ بحسب القسمة العقلية، وبحسب
استقراء الأحكام الشرعية ـ هذه الفئة المستضعفة التي تحتاج إلى حماية خاصة في
ثلاثة أنواع:
اللقطاء: وهم الذين
ليست لهم أسر على الإطلاق، فلا يعرفون لهم أبا ولا أما، وهم أشد الفئات حاجة،
وأكثرهم قصورا.
اليتامى: وهم الذين
فقدوا أحد الأركان التي يأوون إليها، وهو المتكفل بحمايتهم والنفقة عليهم.
أبناء الأسر المنفصلة: وهم
الأولاد الذين يعيش آباؤهم وأمهاتهم، ولكنهم منفصلون عن بعضهم، بحيث يضطر الابن
لأن يعيش عند أحدهما، وهم كذلك من القاصرين، لأنهم لا يعيشون حياة عادية كسائر الأولاد.
ونعتذر ـ هنا ـ على استعمال هذا الاصطلاح في
هذا المحل، وسببه أنا لم نجد مصطلحا خاصا بهؤلاء في الفقه الإسلامي.
والذي دعانا إلى استعماله هو أن الفقهاء عادة
يعبرون بهذا اللفظ عن كل ما لا يصل إلى درجته المثالية، فيجعل الحنفية والمالكية
مثلا العلة في عدم تخيير المحضون ـ وهو من انفصل أبوه عن أمه ـ هي (قصور عقله
الداعي إلى قصور اختياره)[3]
ولا يمنعنا من استعمال هذا المصطلح أنه يستعمل
أحيانا كثيرة على الأولاد عموما، كما يستعمل مع كل الفئات المستضعفة، لأن تقييد الأولاد
بكونهم قاصرين فيه هذه الدلالة الخاصة التي أشرنا إليها.
سنتناول في هذا
الفصل أكثر الفئات القاصرة قصورا، وأشدها ضعفا، وهم اللقطاء، لنبين من خلاله المدى
الذي راعته الشريعة في الحفاظ على حقوقهم، ونصحح الأخطاء الكثيرة التي تجعل هذه
الفئة المستضعفة مجرمة[4]
مع أنه لا ذنب لها، ولا جريرة تتحملها، بل هي ضحية من الضحايا تحتاج حماية لا
نقدا، وعونا لا عتابا، وسلوكا إيمانيا رحيما، لا سلوكا جاهليا أثيما.
وقد حاولنا حصر
حقوق اللقطاء بحسب ما ورد في التشريع الإسلامي إلى تسعة حقوق، هي:
· الحرية.
· النسب.
· الدين.
· النفقة.
· التملك.
· الحقوق
المدنية.
· حفظ
العرض.
· الحماية.
· الحفظ
من التنازع.
وقد خصصنا لكل
حق منها مبحثا خاصا، مقدمين لذلك بتعريف اللقيط وبيان حكم التقاطه.
لغة: هو فعيل من
اللقط وهو اللقاء بمعنى المفعول , وهو الملقوط وهو الملقى أو الأخذ والرفع بمعنى
الملقوط وهو المأخوذ والمرفوع عادة لما أنه يؤخذ فيرفع.
اصطلاحا: هو اسم للطفل
المفقود وهو الملقى، أو الطفل المأخوذ والمرفوع عادة[5].
وعرفه ابن عرفة: بأنه (صغير آدمي لم
يعلم أبواه ولا رقه)[6]
وعرفه في الفتاوى الهندية بأنه (اسم
لحي مولود طرحه أهله خوفا من العيلة أو فرارا من تهمة الزنا مضيعه آثم ومحرزه
غانم)[7]
ومن أسمائه المنبوذ، وقد فرق بعضهم
بين المنبوذ واللقيط: فخص المنبوذ بمن طرح عندما ولد وشأنه فيمن كان ولد زنا، أما
اللقيط فهو ما طرح في الشدائد والحرب لا عندما ولد، ولهذا قال مالك فيمن قال لرجل
يا منبوذ:(لا يعلم منبوذ إلا ولد الزنا)[8]
اتفق الفقهاء على وجوب التقاط
اللقيط، وأن وجوبه على الكفاية، إذا قام به واحد سقط عن الباقين، فإن تركه
الجماعة، أثموا كلهم، إذا علموا فتركوه مع إمكان أخذه، بل اعتبر ابن حزم التقصير
في ذلك من قتل النفس بغير حق، قال:(إن وجد صغير منبوذ ففرض على من بحضرته أن يقوم
به ولا بد , لقول الله تعالى:﴿ وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ
وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الْأِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ
إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ((المائدة: من الآية2)، وقال تعالى:﴿ وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا
أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً ((المائدة: من الآية32)[9]
ثم بين الأثر المترتب على التقصير في
هذا الحكم بهذا الأسلوب المؤثر، فقال:(ولا إثم أعظم من إثم من أضاع نسمة مولودة على
الإسلام - صغيرة لا ذنب لها - حتى تموت جوعا وبردا أو تأكله الكلاب هو قاتل نفس
عمدا بلا شك، وقد صح عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:(من لا يرحم الناس لا
يرحمه الله)[10]
ومن أدلة هذا الحكم زيادة على ما ذكر
ابن حزم:
· ما
روي من ذلك أن رجلا أتى عليا - رضي الله عنه -
بلقيط فقال:(هو حر ولأن أكون وليت من أمره مثل الذي وليت أنت كان أحب إلي
من كذا وكذا), عد جملة من أعمال الخير.. فقد رغب في الالتقاط وبالغ في الترغيب فيه
حيث فضله على جملة من أعمال الخير على المبالغة في الندب إليه.
· أن
فيه إحياء نفسه، فكان واجبا، كإطعامه إذا اضطر، وإنجائه من الغرق.
· روي
عن سنين أبي جميلة، قال: وجدت ملفوفا، فأتيت به عمر - رضي الله عنه - فقال عريفي: يا أمير المؤمنين، إنه رجل
صالح. فقال عمر: أكذلك هو؟ قال: نعم. قال فاذهب فهو حر، ولك ولاؤه،
وعلينا نفقته.
اتفق الفقهاء على أن اللقيط حر، بل
حكي الإجماع على ذلك، قال ابن المنذر:(أجمع عوام أهل العلم على أن اللقيط حر)[11] ،ثم ذكر من
روي عنه ذلك فذكر ( عمر وعلي وعمر بن عبد العزيز، والشعبي والحكم، وحماد، ومالك،
والثوري والشافعي، وإسحاق، وأصحاب الرأي، ومن تبعهم)
وقد استدل ابن حزم لهذا
بقوله:(واللقيط حر ولا ولاء عليه لأحد لأن الناس كلهم أولاد آدم وزوجه حواء عليهما
السلام وهما حران وأولاد الحرة أحرار بلا خلاف من أحد فكل أحد فهو حر إلا أن يوجب
نص قرآن , أو سنة ولا نص فيهما يوجب إرقاق اللقيط)[12]
وروي
عن الحسن بن علي أنه قضى بأن اللقيط حر، وتلا قوله تعالى:﴿ وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ
وَكَانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ﴾ (يوسف:20)، وهو استدلال قوي من القرآن الكريم.
ولم يخالف في هذا الحكم إلا النخعي
الذي فرق بين من التقطه للحسبة، فهو حر، وبين من التقطه ليسترقه، فنص بأن ذلك له،
وهو قول لا يصح اعتباره لوجهين:
· أنه
شذ فيه عن الخلفاء والعلماء الذين اتفقوا على حرية اللقيط.
· أن
الأصل في الآدميين الحرية، لأن الله تعالى خلق آدم وذريته أحرارا، وإنما الرق
لعارض، فإذا لم يعلم ذلك العارض، فله حكم الأصل.
ومع ذلك فإنا نرى لقول النخعي وجها
مقبولا لا يخرجه عن إجماع العلماء، وهو أن
الملقتط إن لم تكن له الرحمة التي تدفعه لالتقاطه لوجه الله، فلا بأس أن يلتقطه
ليسترقه، فحياته مع العبودية التي قد ترفع عنه خير من بقائه على تلك الصفة.
ومثل هذا ما روى عن عمر بن الخطاب -
رضي الله عنه - من أن ولاء اللقيط
لملتقطه، فقد ذكر أنه وجد منبوذ في عهد عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - ، فأتي به
إليه، فقال له عمر:(هو حر , وولاؤه لك , ونفقته من بيت المال)
وهذا مع أن الولاء مرتبط بصحة
الاسترقاق، كما قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:(إنما الولاء لمن أعتق)،
وإنما فعل عمر - رضي الله عنه - ذلك من
باب الترغيب في الالتقاط.
بعد
اتفاق الفقهاء عل حرية القيط اختلفوا في جواز ولائه على قولين:
القول الأول:
اللقيط لا يوالي أحدا، ولا يرثه أحد بالولاء، وهو قول مالك والشافعي وأصحابهما،
قال مالك:(الأمر عندنا في المنبوذ أنه حر، وأن ولاءه لجماعة المسلمين، هم يرثونه
ويعقلون عنه)[13]
واستدلوا
على هذا بقوله - صلى الله عليه وسلم -:(وإنما الولاء لمن أعتق)[14]، فنفى الولاء عن غير المعتق.
القول الثاني:
اللقيط يوالي من شاء، فمن ولاه فهو يرثه ويعقل عنه، وهو قول عطاء، وابن شهاب
وطائفة من أهل المدينة، وأبي حنيفة وأصحابه وأكثر الكوفيين.
وروي
عن علي - رضي الله عنه - :(المنبوذ حر، فان أحب أن يوالي الذي التقطه والاه، وإن
أحب أن يوالي غيره والاه؛، وهو حر)
بل
له ـ عند أبي حنيفة ـ أن ينتقل بولائه حيث شاء، ما لم يعقل عنه الذي والاه، فإن
عقل عنه جناية لم يكن له أن ينتقل عنه بولائه أبدا.
قال
السرخسي في توجيه ذلك والتفريق بين ولاية اللقيط الاختيارية وولاية العبد المعتق
الحتمية:(فإن
قيل: هو بالالتقاط والتربية قد أحياه فينبغي أن يثبت له عليه الولاء كما يثبت
للمعتق بالإعتاق الذي هو إحياء حكما (قلنا)هذا ليس في معنى ذلك لأن الرقيق في صفة
مالكية المال هالك , والمعتق محدث فيه لهذا الوصف , واللقيط كان حيا حقيقة , ومن
أهل الملك حكما فالملتقط لا يكون محييا له حقيقة ولا حكما فلا يثبت له عليه ولاء
ما لم يعاقده عقد الولاء بالبلوغ)[15]
الترجيح:
نرى أن الأرجح في المسألة هو ما ذهب إليه أصحاب
القول الثاني بناء على ما ورد من ذلك عن السلف الصالح - رضي الله عنهم - ، ولأن في
ذلك مصلحة للقيط، فيصير الولاء عصبة له تنوب عن عصبة أقاربه، وقد أشار إلى هذا قوله
- صلى الله عليه وسلم -:(الولاء لحمة كلحمة النسب لا يباع ولا يوهب)[16]
وهي من المسائل المتفرعة عن الولاء،
وقد اختلف الفقهاء فيها على قولين:
القول الأول: أنه لا توارث بينه وبين ملتقطه، وهو قول
الجمهور، واستدلوا بما سبق ذكره من أدلة على عدم صحة الولاء.
القول الثاني: أن ميراثه
لملتقطه عند عدم نسبه، وقد نسبه ابن القيم إلى إسحاق بن راهويه، وقد رأينا أنه قول
كثير من الفقهاء على اعتباره مولى، وقد رجح هذا القول ابن القيم، واستدل له
بالقياس على ميراث المعتق، ومن وجوه الشبه
التي ذكرها:
· أن
إنعام الملتقط على اللقيط بتربيته والقيام عليه والإحسان إليه ليس بدون إنعام
المعتق على العبد بعتقه فإذا كان الإنعام بالعتق سببا لميراث المعتق مع أنه لا نسب
بينهما فكيف يستبعد أن يكون الإنعام بالالتقاط سببا له مع أنه قد يكون أعظم موقعا
وأتم نعمة.
· أن
الملتقط ساوى المسلمين في مال اللقيط وامتاز عنهم بتربية اللقيط والقيام بمصالحه
وإحيائه من الهلكة، فمن محاسن الشرع ومصلحته وحكمته أن يكون أحق بميراثه.
قال ابن القيم بعد ذكره لهذه
الوجوه:(وإذا تدبرت هذا وجدته أصح من كثير من القياسات التي يبنون عليها الأحكام
والعقول أشد قبولا له فقول إسحاق في هذه المسألة في غاية القوة، والنبي - صلى الله
عليه وسلم - كان يدفع الميراث بدون هذا كما دفعه إلى العتيق مرة، وإلى الكبر من
خزاعة مرة، وإلى أهل سكة الميت ودربه مرة، وإلى من أسلم على يديه مرة، ولم يعرف
عنه - صلى الله عليه وسلم - شيء ينسخ ذلك، ولكن الذي استقر عليه شرعه تقديم النسب
على هذه الأمور كلها، وأما نسخها عند عدم النسب فمما لا سبيل إلى إثباته أصلا)[17]
الترجيح:
نرى أن الأرجح في المسألة هو القول الثاني بناء
على ما ذكر من أدلة، زيادة على أن مصالح اللقيط مرتبطة بهذا، بل إن فيه تشجيعا على
التقاط اللقيط وعدم التفريط فيه.
الحق الثاني: حق اللقيط
في النسب
اتفق الفقهاء على حق اللقيط في النسب
بشرط أن يكون نسبا صحيحا، لا مجرد دعوى لحرمة التبني في الشريعة الإسلامية، قال
ابن قدامة:(إن كان المدعى رجلا مسلما حرا, لحق نسبه به بغير خلاف بين أهل العلم
إذا أمكن أن يكون منه)[18] وذلك لأن هذا
الإقرار مصلحة محضة للطفل لاتصال نسبه, ولا مضرة على غيره فيه.
وفي هذه الحالة إن كان المقر به
ملتقطه, ترك في يده، وإن كان غيره فله أن ينتزعه من الملتقط لأنه قد ثبت أنه
أبوه فيكون أحق بولده, كما لو قامت به بينة.
اختلف الفقهاء فيما لو كان المدعي
كافرا على قولين:
القول الأول: يلحق به، ومن
الأدلة على ذلك:
· أنه
أقوى من العبد في ثبوت الفراش فإنه يثبت له بالنكاح والوطء في الملك.
· أنه
أقر بنسب مجهول النسب, يمكن أن يكون منه وليس في إقراره إضرار بغيره فيثبت
إقراره, كالمسلم.
وقد اختلف أصحاب هذا القول في اتباع
اللقيط لدين الملتقط الكافر على رأيين:
الرأي الأول: يلحق به من
النسب لا في الدين ولا حق له في حضانته، وهو قول أحمد وأحد قولي الشافعي، ومن
الأدلة على ذلك:
· أن
هذا حكم بإسلامه فلا يقبل قول الذمي في كفره كما لو كان معروف النسب.
· أنها
دعوى تخالف الظاهر, فلم تقبل بمجردها كدعوى رقه.
· أنه
لو تبعه في دينه لم يقبل إقراره بنسبه لأنه يكون إضرارا به, فلم تقبل كدعوى
الرق.
· أن
مجرد النسب بدون اتباعه في الدين فمصلحة عارية عن الضرر, فقبل قوله فيه.
· أنه
لا يجوز قبوله فيما هو أعظم الضرر والخزى في الدنيا والآخرة.
الرأي الثاني: يتبعه في دينه
، إلا أنه يحال بينه وبينه، وهو أحد قولي الشافعي، لأن كل ما لحقه في نسبه يلحق
به في دينه كالبينة.
القول الثاني: لا يلحق به
لأنه محكوم بإسلامه، وهو قول أبي ثور.
الترجيح:
نرى أن الأرجح في المسألة هو البحث والتحري عن
حقيقة انتسابه إلى هذ الكافر بالطرق الشرعية التي سبق ذكرها في الجزء الأول من هذه
المجموعة، فإن ظهر أنه والده سلم إليه ليربيه كما يرى، فلا يحال بينه وبينه.
ويضاف إلى هذا البحث عن سبب خروجه من
يده ورميه ليصبح لقيطا.
أما الإسلام، فإن الشرع لم يأمرنا
بالدعوة إلى الإسلام بهذا الأسلوب، وهو أن نحرم الأبناء من آبائهم، وإنما أمرنا
بالدعوة، وأن نكون مواضع قدوة، ونحسب أن هذا السلوك سيكون منفرا، للأب والابن على
حد سواء.
اختلف الفقهاء فيما لو كان مدعي نسب
اللقيط امرأة على قولين:
القول الأول: أنه دعواها
تقبل ويلحقها نسبه، وهو رواية عن أحمد، وهو قول بعض أصحاب الشافعي، وعلى هذا فإنه
يلحق بها دون زوجها[19] لأنه لا يجوز أن يلحقه نسب ولد لم يقر به، ومثل ذلك ما لو ادعى الرجل
نسبه, فإنه لا يلحق بزوجته[20]، ومن الأدلة على ذلك:
· أن
في قصة داود وسليمان عليهما السلام حين تحاكم إليهما امرأتان كان لهما ابنان فذهب
الذئب بأحدهما, فادعت كل واحدة منهما أن الباقي ابنها وأن الذي أخذه الذئب ابن
الأخرى فحكم به داود للكبرى, وحكم به سليمان للأخرى بمجرد الدعوى منهما.
· أنه
يمكن أن يكون منها كما يمكن أن يكون ولد الرجل, بل أكثر لأنها تأتى به من زوج
ووطء بشبهة ويلحقها ولدها من الزنى دون الرجل.
· أنها
أحد الأبوين فيثبت النسب بدعواها, كالأب.
· أن
إمكان البينة لا يمنع قبول القول كالرجل, فإنه تمكنه البينة أن هذا ولد على
فراشه.
القول الثاني: أنه لا يلحق
بها إن كان لها زوج لم يقر بنسبه، أما إن لم يكن لها زوج، فإنه تقبل دعواها، وهو
رواية عن أحمد، وهو وجه لأصحاب الشافعي، وذلك لإفضائه إلى إلحاق النسب بزوجها بغير
إقراره ولا رضاه أو إلى أن امرأته وطئت بزنا أو شبهة, وفي ذلك ضرر عليه فلا يقبل
قولها فيما يلحق الضرر به.
القول الثالث: اشتراط
البينة في ثبوت نسبه منها، وهو قول الثوري, والشافعي وأبي ثور وأصحاب الرأي، وهو
رواية عن أحمد، بل نقل ابن المنذر الإجماع على ذلك، فقال:(أجمع كل من نحفظ عنه من
أهل العلم, على أن النسب لا يثبت بدعوى المرأة)، واستدلوا على ذلك بأنها يمكنها
إقامة البينة على الولادة فلا يقبل قولها بمجرده كما لو علق زوجها طلاقها
بولادتها.
الترجيح:
نرى أن الأرجح في المسألة هو التحري
في مدى صحة الدعوى، بالطرق التي ذكرناها، فإن صدقت دعواها سلم ابنها إليها رضي
زوجها، أو لم يرض، لأنه لا يحق لأحد أن يحول بين الابن وأمه بأي سبب.
وقد نظر بعض الفقهاء هنا إلى الضرر
الذي قد يصيب أولياء المرأة بسبب ادعائها لابنها[21]، وهو نظر مقاصدي جميل،
ولكن لا ينبغي أن نهمل الضرر الحاصل لابنها، أو الحاصل لها، ولعله أهم من الضرر
الحاصل لأوليائها.
ثبوت نسب اللقيط بالعلاقة غير
الشرعية:
سبق ذكر هذه المسألة في مباحث النسب
من الجزء الأول من هذه المجموعة، ونعيد ذكرها هنا لأهميتها، ولعلاقتها بهذا الباب:
فقد اختلف الفقهاء في حكم ثبوت النسب
بالعلاقة غير الشرعية، وهي الزنا على قولين:
القول الأول: ثبوت نسب ابن
الزنا لأمه دون أبيه، وهو قول جمهور العلماء، بل اتفقت على القول به المذاهب
الفقهية المختلفة، حتى اعتبر عند بعضهم من
الإجماع الذي لا يرقى إليه شك، قال ابن عبد البر:(فنفى أن يلحق في الإسلام ولد
الزنى، وأجمعت الأمة على ذلك نقلا عن نبيها - صلى الله عليه وسلم - وجعل رسول الله
- صلى الله عليه وسلم - كل ولد يولد على فراش لرجل لاحقا به على كل حال إلى أن
ينفيه بلعان على حكم اللعان)[22]
وسننقل هنا بعض النصوص المثبتة لهذا
القول من المذاهب الفقهية المختلفة، والمبينة لأسباب القول بعدم الثبوت:
قال الجصاص:)الزانية لا نسب
لولدها من قبل الأب ; إذ ليس بعض الزناة أولى به لحاقه به من بعض , ففيه قطع
الأنساب ومنع ما يتعلق بها من الحرمات في المواريث والمناكحات وصلة الأرحام وإبطال
حق الوالد على الولد وما جرى مجرى ذلك من الحقوق التي تبطل مع الزنا , وذلك قبيح
في العقول مستنكر في العادات ولذلك قال النبي - صلى الله عليه وسلم -:)الولد للفراش
وللعاهر الحجر (لأنه لو لم يكن النسب مقصورا على الفراش
وما هو في حكم الفراش لما كان صاحب الفراش بأولى بالنسب من الزاني وكان ذلك يؤدي
إلى إبطال الأنساب وإسقاط ما يتعلق بها من الحقوق والحرمات ([23]
وقد نص الإمامية على أن النسب يثبت
مع النكاح الصحيح , ومع الشبهة ولا يثبت مع الزنا , فلو زنى فانخلق من مائه ولد على
الجزم , لم ينتسب إليه شرعا[24].
قال في شرح
النيل:)إن ولد الزنى لا يلحق بأبيه في الإسلام , أي لا يلحق بمن زنى بأمه في
الإسلام إن زنى في الإسلام بها وسماه أبا لأن الولد بحسب الظاهر من مائه , قال -
صلى الله عليه وسلم -:)الولد للفراش وللعاهر الحجر (, والعاهر:
الزاني([25]
وقد ذكر ابن القيم أن لهذا القول
زيادة على الحديث السابق دليلان من السنة هما:
· عن
ابن عباس - رضي الله عنه - قال: قال رسول
الله - صلى الله عليه وسلم -: (لاَ مُسَاعَاة في الإِسلامِ، مَن سَاعى في
الجَاهِلِية فَقَد لَحِقَ بِعَصبَتِهِ، وَمَن ادعى وَلَداً مِن غَيرِ رشدَةٍ،
فَلاَ يَرِثُ وَلاَ يُوَرثُ)[26]، والمساعاة هي
الزنى، وكَان الأصمعي يجعلُها في الإماء دون الحرائر، لأنهن يسعين لمواليهن،
فيكتسِبنَ لهم، وكانَ عليهن ضرائبُ مقررة، فأبطل النبـي - صلى الله عليه وسلم -
المساعاة في الإسلام، ولم يُلحق النسب بها، وعفا عما كان في الجاهلية منها، وألحق
النسبَ به[27].
· روي
حديث عمرو بن شعيب، عن أبـيه، عن جده (أن النبـي - صلى الله عليه وسلم -، قضى أن
كُل مستلحَقَ استُلحِقَ بعد أبـيه الذي يُدعى له، ادعاه ورثتُه، فقضى أن كُل مَن كَانَ
مِن أمَةٍ يملِكُها يومَ أصابَها فقد لَحِقَ بمن استلحقَه، وليس له مما قُسِمَ
قَبله من الميراث، وما أَدرَكَ مِن ميراثٍ لم يُقسم، فله نصيبُه، ولا يُلحق إذا
كان أبوه الذي يُدعى له أنكرَه، وإن كان مِن أمةٍ لم يملكها، أو من حُرة عَاهَرَ
بها، فإن لا يُلحَق ولا يرثُ، وإن كان الذي يُدعى له هو ادعاهُ، فهو من ولدِ زنية
مِن حرة كان أو أمة)[28]، وفي رواية:
(وهو ولد زنى لأهل أمه من كانوا حرةً أو أمة، وذلك فيما استلحق في أولِ الإسلام،
فما اقتسم مِن مال قبل الإسلام، فقد مضى)
القول الثاني: أن المولودَ
مِن الزنى إذا لم يكن مولوداً على فراش يدعيه صاحبه، وادعاه الزاني، أُلحِقَ به،
وهو قول إسحاق بن راهويه، والحسن البصري، فقد قال في رجل زنى بامرأة، فولدت ولداً،
فادعى ولدَها: يُجلد ويلزمُه الولد، وهو قول عروة بن الزبـير وسليمانَ بن يسار فقد
روي عنهما أنهما قالا: أيُّما رجل أتى إلى غلام يزعم أنه ابن له، وأنه زنى بأمه
ولم يَدعِ ذلك الغلامَ أحد، فهو ابنُه،
واحتج سليمان، بأن عمر بن الخطاب كان يُلِيطُ أولادَ الجاهلية بمن ادعاهم
في الإسلام[29].
وقد انتصر لهذا القول ابن القيم،
فقال:)وهذا المذهبُ كما تراه قوة ووضوحاً، وليس مع الجمهور أكثرُ مِن (الولد
للفراش)وصاحبُ هذا المذهب أولُ قائل به، والقياسُ الصحيح يقتضيه(، ومن الأدلة التي
ذكرها ابن القيم لذلك:
· أن
القياس يدل عليه، فالأبَ أحدُ الزانيـين، وقد وُجِدَ الولدُ مِن ماء الزانيـين،
وقد اشتركا فيه، فلماذا يلحق بأمه، وينسب إليها،وترثه ويرثُها، ويثبت النسب بـينه
وبـين أقارب أمه مع كونها زنت به،، ويمنع من لحوقه بالأب إذا لم يدعِهِ غيرُه.
· حديث
جريج للغلام الذي زنت أمُّه بالراعي حيث قال له: من أبوك يا غلام؟ قال: فلان
الراعي، فهذا القول من الغلام يدل على صحة النسب للزاني، قال ابن القيم:)وهذا
إنطاق من الله لا يُمكن فيه الكذبُ(
· عدم
صحة حديث المساعاة الذي استدلوا به، قال ابن القيم:)ولكن في إسناد هذا الحديث رجل
مجهول، فلا تقوم به حجة(، وسببه يمنع الاستدلال به على هذا، فقد كان قوم في
الجاهلية لهم إماء بغايا، فإذا ولَدَت أمةُ أحدهم وقد وطئها غيرُه بالزنى، فربما
ادعاه سيدها، وربما ادعاه الزاني، واختصما في ذلك، حتى قام الإسلام، فحكم النبـيُّ
- صلى الله عليه وسلم - بالولد للسيد، لأنه صاحب الفراش، ونفاه على الزاني، أما
الحديثُ الثاني فهو صحيح في الدلالة لكنه ضعيف في الثبوت، قال ابن القيم:)لكن فيه
محمد بن راشد، ونحن نحتج بعمرو بن شعيب، فلا يُعلل الحديثُ به، فإن ثبت هذا
الحديثُ، تعينَ القولُ بموجبه، والمصير إليه، وإلا فالقولُ قول إسحاق ومَن معه)[30]
الترجيح:
نرى أن الأرجح في المسألة هو ثبوت
نسب ابن الزنا لأمه وأبيه، ونرى أن سبب ثبوت نسبه لأمه شرعا هو دليل ثبوت نسبه
لأبيه، لأنه من كليهما حصل الزنا، فلا معنى لثبوته من أحدهما ونفيه عن الآخر، ثم
تعليل ذلك بكونه من زنا.
فإذا انتفت هذه العلة، والتي بها
يعتقد الإجماع على عدم ثبوت نسب ابن الزنى من الزاني، بقي أن نبحث عن علة ثبوت
نسبه لأمه، وهي ـ كما مر معنا ـ تتلخص في كون نسبته إليها محققة، فهي التي ولدته،
ولا شك في نسبه منها بخلاف ابن الزنا، فقد ينتسب لهذا الزاني أو ذاك، فلذلك ينفى
عنهم جميعا لعدم التحقيق، فالعلة إذن من نفي نسب ابن الزنا عن الزاني هي عدم
التحقق من صحة نسبته لا كونه ابن زنا.
فلذلك إذا انتفت هذه العلة، واستطعنا
أن نتعرف على نسبه إما بادعاء أبيه له، أو بوسائل أخرى جازمة، فإن نسبه يثبت إلى
الزاني بلا شك.
وليس في النصوص ما ينفي هذا، أما
قوله - صلى الله عليه وسلم -:(الولد للفراش)فهو بناء على الأصل، وحرص منه - صلى
الله عليه وسلم - على إثبات الأنساب، ولكن حديثنا هنا على امرأة ليست فراشا، ولذلك
كان عمر - رضي الله عنه - يلحق الأنساب
التي لا فراش لها، قال ابن عبد البر:(وقد ظن أن عمر بن الخطاب كان يليط أولاد الجاهلية
بمن ادعاهم كان هناك فراش أم لا، وذلك جهل وغباوة وغفلة مفرطة، وإنما الذي كان عمر
يقضي به أن يليط أولاد الجاهلية بمن ادعاهم إذا لم يكن هناك فراش)[31]
وعلة ذلك هي حاجة الولد لنسب ينتمي
إليه، فإن كان الفراش نسبا، فهو أشرف الأنساب، فلذلك إذا تنازع الزاني وصاحب
الفراش قدم صاحب الفراش، لكن في حال عدم التنازع، فإن الولد لأبيه سواء كان صاحب
الفراش أو غيره، ودليل ذلك أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال هذا الحديث في حال
ممارسته القضاء عند التنازع.
هذا عن الدليل الذي نراه كافيا
لإثبات نسب ابن الزنى، ولا نرى الاكتفاء بالثبوت عند الادعاء، لقلة من يدعي ابن
الزنا، بل نرى لولي الأمر أن يبحث في أنساب أبناء الزنى بالطرق المختلفة بشرط
كونها جازمة، ثم إلحاقهم بآبائهم، خاصة مع توفر الوسائل العلمية التي تؤكد ذلك،
رعاية لمقصد الشرع من حفظ الأنساب، وإلحاقها بأصحابها.
وقد يقول البعض بأن في هذا فتحا
لمفسدة الفواحش، ونقول إجابة عن ذلك: بل هو سد لهذه المفسدة، وسد لأخطر آثارها:
أما كونه سدا للمفسدة، فإن الرجل إن
علم بأن زناه قد يلاحقه بابن ينسب إليه قد يفتضح به أمره ربما يرعوي عن الفاحشة،
فإن فعلها اجتهد في الوسائل التي تمنع حصول الحمل، فيكون ذلك درءا لمفسدة أخرى.
ثم إن الذين يعترضون بهذا لماذا
يحملون المرأة، وهي طرف في هذه الخطيئة جريرة ما فعلت وحدها، وينزهون الرجل، فوصمة
العار تبقى في المرأة طول الدهر، ولو أصبحت كرابعة تقى وورعا، بينما يتمسح بالرجل
إن تلفظ بالاستغفار الذي يحتاج إلى استغفار.
أما كونها سدا لأخطر آثارها، فهو أن
أخطر آثار الزنى هو اختلاط الأنساب، وإنتاج المشردين الذين قد يصبحون عالة على
المجتمع، ويكون المجتمع سبب ما يحصل لهم، فكيف نرجو من ولد ندعوه ابن زنا، ونحرمه
من أبسط حقوقه، وهو النسب، أن يرضى عن مجتمع ينظر إليه، وكأنه هو الخطيئة بعينها،
مع أنه لا علاقة له بها، ولا إثم له فيها.
فلذلك كان أكبر ما يقدم لهؤلاء
المظلومين والمشردين والباحثين عن أصولهم هو تمكينهم من ذلك، بل توفير ذلك لهم،
فينتسبون إلى آبائهم، ويعولهم آباؤهم شاءوا أم أبوا، أما الاكتفاء برعايتهم رعاية
مادية، فإن ذلك لا يسد الجوع الذي في نفوسهم لمعرفة جذورهم، ولا يلامون في ذلك فهو
جبلة كل إنسان.
فإن لم يفعل ولي الأمر هذا، فإنا نرى
أن الواجب على من انتسب إليه ولد بهذا الطريق أن يضمه إليه ويلحقه به، ولا تكمل
توبته إلا بذلك.
الحق الثالث: الحق الديني
للقيط
نظر أكثر الفقهاء عند بحثهم عن دين اللقيط
إلى اعتبار الدار التي وجد فيها اللقيط، وذلك بناء على أن الأصل أنه ابن لأهل تلك
الدار، قال الكاساني:(لأن الموجود في مكان هو في أيدي أهل الإسلام وتصرفهم في
أيديهم , واللقيط الذي هو في يد المسلم وتصرفه يكون مسلما ظاهرا , والموجود في
المكان الذي هو في أيدي أهل الذمة وتصرفهم في أيديهم واللقيط الذي هو في يد الذمي
وتصرفه يكون ذميا ظاهرا , فكان اعتبار المكان أولى)[32]
ووجه السرخسي هذا الظاهر يدل على أن
(المسلمين لا يضعون أولادهم في البيعة عادة , وكذلك أهل الذمة لا يضعون أولادهم في
مساجد المسلمين عادة فيبنى على الظاهر ما لم يعلم خلافه)[33]
وبناء على هذا، فإن اللقيط يكون إما
في دار الإسلام أو دار الكفر على التفصيل التالي:
وهو لا يخلوا في هذه الدار من
الحالتين التاليتين:
الحالة الأولى: دار بناها
المسلمون كبغداد والبصرة والكوفة، فلقيط هذه محكوم بإسلامه, وإن كان فيها أهل
الذمة، وذلك:
· تغليبا
للإسلام.
· لظاهر
الدار.
· أن
الإسلام يعلو ولا يعلى عليه.
الحالة الثانية: دار فتحها المسلمون كمدن الشام, فينظر في هذه
الدار، فإن كان فيها مسلم واحد حكم بإسلام لقيطها تغليبا لحكم الإسلام الذي يعلو
ولا يعلى عليه، أما إن لم يكن فيها مسلم، بل كل أهلها ذمة فإنه يحكم بكفره لأن
تغليب حكم الإسلام إنما يكون مع الاحتمال.
وذهب ابن القاسم من المالكية إلى أنه
إن كان في قرية نصارى ومسلمون، فإنه يحكم بالأغلب يغض النظر عن الدار، وقد رجح هذا
القول ابن العربي قال:(وما ذكره ابن القاسم أولى وقد بيناه في كتاب المسائل)[34]
وذهب
أشهب إلى عكس ذلك، فقال:(هو مسلم أبدا، لأني أجعله مسلما على كل حال، كما أجعله
حرا على كل حال)وهو ما نرى ترجيحه للاعتبارات التي سنذكرها في محلها.
وهو لا يخلوا في هذا النوع من الديار
من الأحوال التالية:
الحالة الأولى: بلد كان
للمسلمين, فغلب الكفار عليه، فإن كان فيه مسلم واحد حكم بإسلام لقيطه وإن لم يكن
فيه مسلم فهو كافر، وذهب القاضي من الحنابلة إلى أنه يحكم بإسلامه لأنه يحتمل أن
يكون فيه مؤمن يكتم إيمانه بخلاف الذي قبله, فإنه لا حاجة به إلى كتم إيمانه في
دار الإسلام، وهذا ما نراه راجحا للاعتبارات التي سنذكرها.
الحالة الثانية: بلد كان
للمسلمين ثم غلب عليه المشركون ثم ظهر عليه المسلمون, وأقروا فيه أهله بالجزية
فهذا كالقسم الثاني من دار الإسلام.
الحالة الثالثة: دار لم تكن للمسلمين
أصلا كبلاد الهند والروم فإن لم يكن فيها مسلم, فلقيطها كافر لأن الدار لهم
وأهلها منهم، وإن كان فيها مسلمون كالتجار وغيرهم احتمل أن يحكم بإسلامه, تغليبا
للإسلام واحتمل أن يحكم بكفره تغليبا للدار.
الترجيح:
نص الفقهاء ـ كما رأينا ـ على مراعاة
الدار، بغض النظر عن الملتقط، فقد نصوا على أنه يستوي في هذه الأحكام ما لو التقطه
مسلم أو ذمي (فإن وجده مسلم في مصر من أمصار المسلمين أو في قرية من قراهم يكون
مسلما حتى لو مات يغسل ويصلى عليه ويدفن في مقابر المسلمين، أما إن وجده ذمي في
بيعة أو كنيسة أو في قرية ليس فيها مسلم فإنه يكون ذميا تحكيما للظاهر، ومثل ذلك
ما إذا وجده مسلم في بيعة أو كنيسة أو في قرية من قرى أهل الذمة فإنه يكون ذميا،
ولو وجده ذمي في مصر من أمصار المسلمين أوفي قرية من قراهم يكون مسلما)[35]
ومع ذلك، فقد ذكر الكاساني أن هناك
من اعتبر الواجد، فقال:(وروى ابن سماعة عن محمد أنه اعتبر حال الواجد من كونه
مسلما أو ذميا)[36]
ونرى ـ اعتبارا لهذا ـ وحرصا على
الحكم بإسلام اللقيط اعتبار الإسلام فيهما جميعا، فإن حصل في الدار فهو مسلم
التقطه مسلم أو ذمي، وإن التقطه مسلم فهو مسلم سواء وجده في دار الإسلام أو في غيرها،
وقد ذكر الكاساني هذا الترجيح عن بعضهم ،فقال:(وفي كتاب الدعوى اعتبر الإسلام إلى
أيهما نسب إلى الواجد أو إلى المكان)[37]، ووجه ذلك بأن
اعتبار أحدهما يوجب الإسلام , واعتبار الآخر يوجب الكفر فيترجح الموجب للإسلام كما
في المولود بين مسلم وكافر.
وسبب هذا الترجيح أن الصبي الذي لم
يميز هو في الحقيقة مسلم، كما قال- صلى الله عليه وسلم -:(كل مولود يولد على
الفطرة)[38]، وإنما أبواه
هما اللذان (يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه)، وبما أن الملتقط بمثابة والده، فإنه
ـ كما سنرى ـ أولى الناس به.
أما إن التقطه ذمي من ديار المسلمين،
فإنه يعود إلى المسلمين ولا يكلف بولايته حرصا على مصلحة اللقيط.
وقد استدل بنحو هذا أحمد عندما قال
في أمة نصرانية ولدت من فجور:(ولدها مسلم لأن أبويه يهودانه وينصرانه)[39]
واستدل به ابن حزم عند ترجيحه دعوى
المسلم على الكافر عند التنازع في اللقيط، كما سنرى.
هذا من ناحية مراعاة مصلحة اللقيط
الدينية، أما إن أريد التحري عن دينه لأجل التعرف على أهله، فإنا نرى أن هذا من
مسائل القضاء التي يستخدم فيها ما أمكنه من صنوف الأدلة، ولعل من بينها استخدام
الوسائل العلمية الحديثة في ذلك، كما بينا سابقا.
وقد أشار الفقهاء إلى ذلك عندما عد
بعضهم الزي والعلامة المميزة للصبي من
وسائل التعرف على دينه، قال السرخسي:(وفي بعض النسخ قال يحكم زيه , وعلامته)[40]، ووجه ذلك
باعتبار الشرع للزي عند الاشتباه، ومثل لذلك بما لو اختلط موتى المسلمين بموتى
الكفار، فإن المفرق بينهما هو الزي , والعلامة للفصل , (وكذلك المسلمون إذا فتحوا
القسطنطينية فوجدوا شيخا عليه سيما المسلمين يعلم صبيانا حوله القرآن , ويزعم أنه
مسلم فإنه يجب الأخذ بقوله , ولا يجوز استرقاقه لاعتبار الزي , والعلامة)[41]
والأصل في هذا الاعتبار هو قوله
تعالى:﴿ تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُم((البقرة:
من الآية273)
فهذا اللقيط إذا كان عليه زي
المسلمين يحكم بإسلامه أيضا , وإذا كان عليه زي الكفار بأن كان في عنقه صليب أو
عليه ثوب ديباج أو هو محروز وسط الرأس فالذي يسبق إلى وهم كل أحد أنه من أولاد
الكفار فيحكم بكفره وإن وجده مسلم في قرية فيها مسلمون.
ولهذا ختم ابن قدامة مسائل دين
اللقيط بقوله:(في الموضع الذي حكمنا بإسلامه إنما يثبت ذلك ظاهرا لا يقينا لأنه
يحتمل أن يكون ولد كافر, فلو أقام كافر بينة أنه ولده ولد على فراشه حكمنا له
به)[42]
من الآثار التي
نص عليه الفقهاء للحكم بإسلام اللقيط:
نص الفقهاء على أن اللقيط إذا بلغ
حدا يصح فيه إسلامه وردته فوصف الإسلام فهو مسلم, سواء كان ممن حكم بإسلامه أو
كفره، أما وصف الكفر وهو ممن حكم بإسلامه، فقد اختلفوا في الحكم بردته على قولين:
القول الأول: أنه مرتد لا
يقر على كفره وبهذا قال أبو حنيفة واحمد، وبناء على هذا إذا بلغ استتيب ثلاثا فإن
تاب وإلا قتل، واستدلوا على ذلك بما يلي:
· أن
دليل الإسلام وجد عريا عن المعارض وثبت حكمه واستقر, فلم يجز إزالة حكمه بقوله
كما لو كان ابن مسلم.
· أن
قوله لا دلالة فيه أصلا لأنه لا يعرف في الحال من كان أبوه ولا ما كان دينه وإنما
يقول هذا من تلقاء نفسه.
القول الثاني: أنه يقر على
كفره، وهو منصوص الشافعي، وقد ذكره القاضي وجها، لأن قوله أقوى من ظاهر الدار،
وبناء على هذا تعقد له الذمة أو يرد إلى بلده، قال القاضي:(إن وصف كفرا يقر أهله
عليه بالجزية, عقدت له الذمة فإن امتنع من التزامها أو وصف كفرا لا يقر أهله
عليه, ألحق بمأمنه)[43]
وقد رد ابن قدامة على ما اختاره
القاضي بأن اللقيط لا يخلو من أن يكون ابن وثنى حربى فهو حاصل في يد المسلمين بغير
عهدة ولا عقد فيكون لواجده, ويصير مسلما بإسلام سابيه أو يكون ابن ذميين أو
أحدهما ذمي, فلا يقر على الانتقال إلى غير دين أهل الكتاب أو يكون ابن مسلم أو
ابن مسلمين فيكون مسلما.
نرى أن الأرجح في المسألة اعتبار
القول الأول، بناء على أن هذا اللقيط نشأ بين المسلمين وتربى على أيديهم، فلذلك لا
يقر على الخروج من الإسلام، ولذلك اعتبر ابن قدامة ما ذهب إليه القاضي وجها مظلما.
ومع ذلك لا نرى ما ذهب إليه الخنابلة
من قتله بعد الاستتابة، بل نرى أن حكم الردة لا يطبق عليه (لأنه لم يعرف إسلامه
حقيقة، وإنما حكم به تبعا للدار، فلم تتحقق
ردته فلا يقتل)وهذا ما ذهب إليه الحنفية، وهم من أصحاب القول الأول، قال
السرخسي:(إذا أدرك اللقيط كافرا , وقد وجد في مصر من أمصار المسلمين حبس , وأجبر
على الإسلام استحسانا لأنه لما وجد في مصر من أمصار المسلمين فقد حكم له بالإسلام
باعتبار المكان فإنه مكان المسلمين , ومن حكم له بالإسلام تبعا لغيره إذا أدرك
كافرا يجبر على الإسلام , ولا يقتل استحسانا كالمولود من المسلمين إذا بلغ مرتدا)[44]
وهذا خلاف القياس[45] الذي بنى عليه الحنابلة قولهم، وقد ذكر السرخسي وجه الاستحسان
فقال:(ولكن في الاستحسان لا يقتل لأن حقيقة الإسلام تكون بالاعتقاد بالقلب ,
والإقرار باللسان , وقد انعدم ذلك منه فيصير هذا شبهة في إسقاط القتل الذي هو
نهاية في العقوبة في الدنيا , وهذا لأن ثبوت حكم الإسلام له بطريق التبعية كان
لتوفير المنفعة عليه , وليس في القتل معنى توفير المنفعة , وهو نظير ما نقول في
الصبي العاقل إذا أسلم يحسن إسلامه ثم إذا بلغ مرتدا يحبس , ويجبر على الإسلام ,
ولا يقتل)[46]
اتفق الفقهاء على أن اللقيط يدفن في
مقابر المسلمين في حال اعتباره مسلما، قال ابن المنذر:(أجمع عوام أهل العلم, على
أن الطفل إذا وجد في بلاد المسلمين ميتا في أي مكان وجد أن غسله ودفنه في مقابر
المسلمين يجب)[47]
وبناء على هذا، فإنه إن حكم بكفره،
فإنه لا يدفن في مقابر المسلمين, قال ابن قدامة:(وقد منعوا أن يدفن أطفال
المشركين في مقابر المسلمين قال: وإذا وجد لقيط في قرية ليس فيها إلا مشرك فهو
على ظاهر ما حكموا به أنه كافر)[48]
ونرى أن الأمر في هذا يسير، ولذلك إن
جيئ به إلى بلاد المسلمين، فإنه لا حرج في دفنه في مقابرهم بناء على ما ذكرنا من
أن الأصل في الصبي غير المميز الإسلام، وإنما يحصل منه الكفر باختياره بعد البلوغ.
اتفق الفقهاء على أن نفقة اللقيط من
بيت المال، وقد حكي الإجماع على ذلك، قال ابن المنذر:(أجمع كل من نحفظ عنه من أهل
العلم , على أن نفقة اللقيط غير واجبة على الملتقط , كوجوب نفقة الولد)[49]، ومن الأدلة
على هذا الإجماع:
· أن
أسباب وجوب النفقة , من القرابة , والزوجية , والملك , والولاء , منتفية , فلذلك
وجب أن يتكفله بيت المال.
· أن
الالتقاط إنما هو تخليص له من الهلاك , وتبرع بحفظه , فلا يوجب ذلك النفقة , كما
لو فعله بغير اللقيط.
· قول
عمر - رضي الله عنه - في حديث أبي
جميلة:(اذهب فهو حر , ولك ولاؤه , وعلينا نفقته)
· أن
بيت المال وارثه , وماله مصروف إليه , فتكون نفقته عليه , كقرابته ومولاه.
اتفق الفقهاء على أنه في حال عجز بيت
المال عن القيام بحق نفقته ـ إما لكونه لا مال فيه , أو كونه في مكان لا إمام فيه
, أو غير ذلك من الأسباب ـ فإنه على من علم من المسلمين الإنفاق عليه ; وهو فرض
كفاية , إذا قام به قوم سقط عن الباقين , فإن تركه الكل أثموا، ومن الأدلة على
ذلك:
· قول
الله تعالى:﴿ وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ
وَالتَّقْوَى ﴾(المائدة: من الآية2)
· أن
في ترك الإنفاق عليه هلاكه , وحفظه عن ذلك واجب , كإنقاذه من الغرق.
في حال تعذر الإنفاق المباشر من بيت
المال، فإن الواجب ـ كما ذكرنا ـ هو لزوم نفقته على المسلمين، وفي هذه الحالة إن
تبرع بعضهم بالنفقة عليه، فإنه لا يستعيد حق ما أنفقه سواء كان الملتقط هو أو
غيره.
أما إن لم يتبرع بالإنفاق عليه، وإنما
أنفق عليه محتسبا بالرجوع عليه إذا أيسر, فإنه لا يخلو من حالين:
الحالة الأولى: أن يكون ذلك
بأمر الحاكم وتفويضه، فإنه يحق له في هذه الحالة استرجاع ما أنفقه إذا كانت النفقة
قصدا بالمعروف، وقد حكى ابن قدامة هذا عن الثوري والشافعي, وأصحاب الرأي، ولعله لا
خلاف فيه[50].
الحالة الثانية: أن يكون ذلك
بغير الحاكم ومن غير تفويضه، ومع ذلك أنفق طامعا في تعويضه على ما أنفقه، وقد
اختلف الفقهاء في هذا على الأقوال التالية:
القول الأول: تؤدى النفقة
من بيت المال، وهو قول أحمد، ومن الأدلة على ذلك: أنه أدى ما وجب على غيره, فكان
له الرجوع على من كان الوجوب عليه كالضامن إذا قضى عن المضمون عنه.
القول الثاني: إقامة البينة
على أنه لم ينفق عليه متبرعا، وقد اختلفوا في نوع البينة، فقال شريح, والنخعي:
يرجع عليه بالنفقة إذا أشهد عليه، وقال عمر بن عبد العزيز: يحلف ما أنفق احتسابا
فإن حلف استسعى.
القول الثالث: هو متبرع به،
وهو قول الشعبي ومالك, والثوري والأوزاعي وأبي حنيفة, ومحمد بن الحسن والشافعي
وابن المنذر.
نرى أن الأرجح في المسألة هو القول
الأول بناء على أن الأصل هو أن المكلف بالنفقة هو بيت مال المسلمين، فلذلك إن قام
بعض المسلمين بالنيابة عنه في هذا الدور، فإنه يستحق التعويض على ما أنفقه.
زيادة على أن في هذا القول تشجيعا
على التقاط اللقيط وعدم تركه للهلاك، فلذلك نرى عدم إهانة هذا الملتقط بتحليفه أو
بطلب البينة، بل نرى أن يسرع إليه بالتعويض ـ في حال رخاء بيت المال ـ من غير أن
يطلبه.
زيادة على أنا لا نرى تعارضا بين
احتسابه في الإنفاق وجه الله، وبين طلب التعويض، كما أنه لا تعارض بين تعليم
القرآن الكريم، ونيل الأجر الدنيوي على ذلك، وبين أن يكون مع ذلك متبعدا بقراءته
لله تعالى.
اتفق الفقهاء على أن للقيط الحق في
تملك المال الذي وجد معه إن دلت القرائن على أنه له، وبناء على هذا، فإن القرائن
لا تخلو من الأحوال التالية:
الحالة الأولى: اتصال المال
باللقيط أو تعلقه بمنفعته كأن يكون (لابسا له, أو مشدودا في ملبوسه أو في يديه
أو مجعولا فيه, كالسرير والسفط وما فيه من فرش أو دراهم والثياب التي تحته والتى
عليه وإن كان مشدودا على دابة, أو كانت مشدودة في ثيابه أو كان في خيمة أو في
دار)[51]
وفي هذه الحالة، فإنه لا خلاف بين
الفقهاء بأن هذه القرائن تفيد تملك اللقيط لذلك المال، وذلك بناء على (أن الطفل
يملك وله يد صحيحة, بدليل أنه يرث ويورث ويصح أن يشترى له وليه ويبيع ومن له ملك
صحيح فله يد صحيحة, كالبالغ)
الحالة الثانية: انفصال المال
عن اللقيط، بأن يكون بعيدا منه ليس في يده, وقد اتفق الفقهاء بأن هذا ليس من
ماله، ما دامت القرائن لا تفيد تملكه له، وحكمه في هذ الحالة حكم اللقطة.
أما إن كان قريبا منه، ومع ذلك هو
منفصل عنه، كثوب موضوع أمامه، فقد اختلف فيه على قولين:
القول الأول: ليس له، لأنه
منفصل عنه فهو كالبعيد.
القول الثاني: هو له، ومن
الأدلة على ذلك:
· أن
الظاهر أنه ترك له, فهو له بمنزلة ما هو تحته.
· أن
القريب من البالغ يكون في يده, ألا ترى أن الرجل يقعد في السوق ومتاعه بقربه
ويحكم بأنه في يده والحمال إذا جلس للاستراحة, ترك حمله قريبا منه.
الترجيح:
نرى أن الأرجح في المسألة هو القول
الثاني بناء على ما ذكروه من أدلة، زيادة على أن فيه مصلحة مستضعف، وهو اللقيط،
وهي مصلحة معتبرة، وقد رجح هذا القول ابن قدامة[52].
الحالة الثالثة: المال المدفون
تحته، وقد اختلف الفقهاء في ملكية اللقيط له على قولين:
القول الأول: إن كان الحفر
طريا فهو له, وإلا فلا، وقد نسبه ابن قدامة لابن عقيل، وذلك لأن الظاهر أنه إذا
كان طريا فواضع اللقيط حفره وإذا لم يكن طريا كان مدفونا قبل وضعه.
القول الثاني: أنه ليس له
مطلقا، والظاهر أنه قول الجمهور، ومن الأدلة على ذلك:
· أنه
بموضع لا يستحقه إذا لم يكن الحفر طريا فلم يكن له إذا كان الحفر طريا كالبعيد
منه.
· أن
الظاهر أنه لو كان له لشده واضعه في ثيابه ليعلم به, ولم يتركه في مكان لا يطلع
عليه.
الترجيح:
نرى أن الأرجح في المسألة هو أنها من
مسائل التحري، وهي مسألة قضائية لا فقهية، فإن لم يجد التحري القضائي، فإنا نرى
رجحان القول الأول بناء على أن في كون الحفرة بتلك الصفة فيه دلالة قوية على أنها
تابعة للقيط، زيادة على أن في هذا القول مصلحة له، بخلاف اعتبارها لقطة.
نص الفقهاء على أنه إن وجد للقيط مال
أنفق عليه منه, فإن كان فيه كفايته لم تجب نفقته على أحد، لأنه ذو مال وهو في
هذه الحالة كغيره من الناس، ومن الأدلة على ذلك[53]:
· أن
ذلك المال للقيط، فإنه موجود معه فكانت يده أسبق إليه من يد غيره , وإنما ينفق
عليه من ماله.
· أن
الظاهر أن واضعه وضع ذلك المال لينفق عليه منه , والبناء على الظاهر جائز ما لم
يظهر خلافه.
· أن
الملتقط مصدق في نفقة مثله لأنه أمين يخبر بما هو محتمل , وينكر وجوب الضمان عليه
فيقبل قوله في ذلك كمن دفع إلى إنسان مالا , وأمره بأن ينفق على عياله يقبل قوله
في نفقة مثلهم , وما اشترى من طعام أو كسوة فهو جائز عليه لأن القاضي لما أمره
بإنفاق المال عليه فقد أمره بأن يشتري به ما يحتاج إليه من الطعام والكسوة ,
وللقاضي عليه هذه الولاية فكذلك ما يملكه الملتقط بأمر القاضي.
واختلفوا في اشتراط استئذان الحاكم
في التصرف في ماله على قولين:
القول الأول: لا يشترط إذن
الحاكم في ذلك، بل لملتقطه الإنفاق عليه منه من غير استئذانه، وهو قول للحنابلة،
ذكره أبو عبد الله بن حامد، ومن الأدلة على ذلك:
· أنه
ولى له فلم يعتبر في الإنفاق عليه في حقه إذن الحاكم كوصى اليتيم.
· أن
هذا من الأمر بالمعروف فاستوى فيه الإمام وغيره كتبديد الخمر.
· لا
نسلم أنه لا ولاية له على مال، لأن له أخذه وحفظه, وهو أولى الناس به.
القول الثاني: يشترط إذن
الحاكم، وهو قول الشافعي، فقد نص على أنه (ليس له أن ينفق بغير إذن الحاكم في موضع
يجد حاكما, وإن أنفق ضمن بمنزلة ما لو كان لأبي الصغير ودائع عند إنسان فأنفق
عليه منه)، وهو قول بعض الحنابلة[54]، واستدلوا على ذلك بأنه لا ولاية له على ماله, وإنما له حق
الحضانة.
الترجيح:
نرى أن الأرجح في المسألة هو القول
الأول بناء على الحرص على مصلحة اللقيط، ولأن الغرض من المال المودع ذمة اللقيط هو
إنفاقه عليه.
ومع ذلك نرى أن الأكمل هو استئذان
الحاكم وإخباره نفيا للشبهة، وهذا ما رجحه ابن قدامة بقوله واستدل له بأنه (أبعد
من التهمة, وأقطع للظنة وفيه خروج به من الخلاف وحفظ لماله من أن يرجع عليه بما
أنفق)[55]
اتفق الفقهاء على أن شهادة اللقيط
مقبولة إذا لم يكن هناك أي مانع يمنع من قبولها، ككونه فاسقا مثلا.
واختلفوا فيما لو كان موضوع شهادته
هو الرمي بالزنا على قولين:
القول الأول: أنه مقبول
الشهادة في الأمور كلها إذا ظهرت عدالته، وهو قول الجمهور، واستدلوا على ذلك بما
يلي[56]:
· أنه
إذا كان حرا مسلما عدلا، فلا مانع شرعي من قبول شهادته.
· أن
الزاني بعد ظهور توبته مقبول الشهادة في الزنا , والسارق كذلك، وهما أسوأ حالا
منه، فكيف لا تقبل شهادته ولا جريرة له.
· أن
تهمة الكذب كما تنفى عنه في سائر الشهادات بترجح جانب الصدق عند ظهور عدالته فكذلك
في الشهادة بالزنا.
القول الثاني: لا تقبل
شهادته في الزنا، وهو قول مالك، باعتباره متهما بين الناس بأنه ولد زنا، فقد يكون
ذلك ذريعة لإلحاق عار الزنا بغيره ليسويه بنفسه.
الترجيح:
نرى أن الأرجح في المسألة في الحالة
العامة هو القول الأول، ولكن لقول مالك جهة معتبرة تستدعي الدراسة النفسية للقيط
بحيث يعلم مدى صدقه في شهادته، وعدم كون ذلك تهمة تمنعه من صدق الشهادة.
والمسألة بعد ذلك من مسائل القضاء،
وهي تستدعي التحري بالطرق المختلفة، كما ذكرنا سابقا.
اتفق الفقهاء على أن اللقيط مثل غيره
من المكلفين في حال قيامه بأي جناية، ولا يختلف عن سائر المكلفين إلا في أنه إن
جنى جناية تحملها العاقلة، فالعقل على بيت المال، لأن ميراثه له ونفقته عليه.
أما إن جنى جناية لا تحملها
العاقلة, فحكمه فيها كحكم سائر الناس:
· إن
كانت توجب القصاص، وهو بالغ عاقل، اقتص منه.
· إن
كانت موجبة للمال وله مال, استوفى منه وإلا كان في ذمته حتى يوسر.
اتفق الفقهاء على وجوب حفظ عرض
اللقيط ودمه باعتباره مسلما كسائر المسلمين، أو أنه على الأقل في حال عدم اعتبار إسلامه،
إنسان له ذمة محترمة يحرم المساس بها.
وهناك بعض التفاصيل يختص بها اللقيط
باعتباره لا أهل له يتولون أمره ويدافعون عن حقوقه، ولذلك سنتحدث هنا عن بعض تلك
التفاصيل:
وذلك بالحيلولة دون وقوع الجناية
عليه، فإن وقعت، فإن حكم ذلك يختلف بحسب نوع الجناية، وهي نوعان:
اتفق الفقهاء على أنه إن جنى على
اللقيط في النفس جناية توجب الدية فهي لبيت المال باعتباره وارثه الوحيد.
ونصوا على أنه إذا وجد اللقيط قتيلا
في مكان ـ غير ملك الملتقط ـ فالقسامة والدية على أهل ذلك المكان , وتلك المحلة
لبيت المال (لأنه حر محترم، لأنه لما حكم بإسلامه , وحريته كانت لنفسه من الحرمة
والتقوم ما لسائر نفوس الأحرار , ووجوب الدية والقسامة لصيانة النفوس المحترمة عن
الإهدار)[57]
واختلفوا فيما لو كانت الجناية عمدا
محضا يوجب القصاص، هل يقتص من الجاني أم تقبل الدية، أم يكتفى بالمصالحة، على
الأقوال التالية:
القول الأول: الإمام مخير
بين أمرين: إما استيفاء القصاص إن رآه أحظ للقطاء، أو العفو بشرط أخذ الدية على
ذلك، وهو قول الشافعي وابن المنذر.
القول الثاني: أن الإمام
مخير بين القصاص والمصالحة، وهو قول أبي حنيفة، واستدل على ذلك بما يلي:
· العمومات
الموجبة للقصاص كقوله تعالى:﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا
كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى ((البقرة: من الآية178)، وقوله - صلى
الله عليه وسلم -:(العمد قود[58])[59]
· أن
القصاص مشروع لحكمة الحياة كما قال تعالى:﴿ وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا
أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ((البقرة:179)، وذلك بطريق الزجر حتى
ضر إذا تفكر في نفسه أنه متى قتل غيره قتل به انزجر عن قتله فيكون حياة لهما جميعا
ولهذا قيل:(القتل أنفى للقتل), وهذا المعنى متحقق في اللقيط , والذي أسلم كتحققه
في غيرهما.
· حديث
الهرمزان، لأن عبيد الله بن عمر - رضي الله عنه -
لما قتله بتهمة دم أبيه , واستقر الأمر على عثمان - رضي الله عنه - طلب منه علي - رضي الله عنه - أن يقتص منه فقال عثمان - رضي الله عنه - :(هذا
رجل قتل أبوه بالأمس، فأنا أستحيي أن أقتله اليوم , وإن الهرمزان رجل من أهل الأرض
, وأنا وليه أعفو عنه , وأؤدي الدية)فقد اتفقا على وجوب القصاص.
· أن
من لا يعرف له ولي فالإمام وليه كما قال - صلى الله عليه وسلم -:(السلطان ولي من
لا ولي له)[60], وإذا ثبت أن
السلطان هو الولي تمكن من استيفاء القصاص لقوله تعالى:﴿ فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ
سُلْطَاناً ﴾(الاسراء: من الآية33), والمراد سلطان استيفاء القود، لأنه
عقبه بالنهي عن الإسراف في القتل بقوله تعالى:﴿ فَلا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ
((الاسراء: من الآية33)، وهذا يتضح في الذي أسلم , وكذلك في اللقيط لأن ما لا يوقف
عليه في حكم المعدوم.
· أن
للإمام أن يستوفي القصاص إن شاء وإن شاء صالح على الدية لأنه مجتهد وله أن يميل
باجتهاده إلى المطالبة بالدية ولأنه ناظر للمسلمين فربما يكون استيفاء الدية أنفع
للمسلمين وليس له أن يعفو بغير مال لأنه نصب لاستيفاء حق المسلمين لا لإبطاله.
· أن
وليه لما كان عاجزا عن الاستيفاء ناب الإمام منابه في ذلك.
· ليس
هنا شبهة عفو لأن ذلك الولي غير معلوم حتى يتوهم العفو منه.
القول الثالث: أن للإمام
أخذ الدية فقط دون القصاص، وهو قول أبي يوسف، ومن الأدلة على ذلك:
· أنا
نعلم أن للقيط , وليا في دار الإسلام من عصبة أو غير ذلك وإن بعد إلا أنا لا نعرفه
بعينه , وحق استيفاء القصاص يكون إلى الولي كما قال الله تعالى:﴿ فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ
سُلْطَاناً فَلا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُوراً((الاسراء: من
الآية33)، فيصير ذلك شبهة مانعة للإمام من استيفاء القصاص , وإذا تعذر استيفاء
القصاص بشبهة وجبت الدية في مال القاتل لأنها وجبت بعمد محض , وعلى هذا الطريق
نقول في الذي أسلم من أهل الحرب يجب
القصاص لأنا نعلم أنه لا ولي له في دار الإسلام.
· أن
القصاص عقوبة مشروعة ليشفي الغيظ ودرك الثأر , وهذا المقصود يحصل للأولياء , ولا
يحصل للمسلمين , والإمام نائب عن المسلمين في استيفاء ما هو حق لهم , وحقهم فيما
ينفعهم , وهو الدية لأنه مال مصروف إلى مصالحهم فلهذا أوجبنا الدية دون القصاص.
الترجيح:
نرى أن الأرجح في المسألة هو القول
الأول باعتباره يراعي مصالح اللقطاء سواء في التشديد بالقصاص، أو في الاستفادة من
الدية.
لأن الدية عقوبة على القاتل، ومصلحة
للمستفيدين منها.
وننبه هنا إلى أن مصلحة الردع عن
القتل بالقصاص في هذه الحالة قد تكون مقدمة على الدية، زيادة على عدم استفادة أهل
اللقيط من الدية، لأنه لا أهل له.
إن حصلت الجناية فيما دون النفس فإن
حكم ذلك يختلف باختلاف ما توجبه:
· فإن
كانت جناية توجب الأرش قبل بلوغه فلوليه أخذ الأرش، وينفق عليه منه ـ كما بينا
سابقا ـ
·
أما إن كانت
عمدا موجبة للقصاص, فقد اختلف الفقهاء في ذلك على قولين:
القول الأول: يحبس الجانى حتى يبلغ اللقيط فيستوفي لنفسه[61]، وهذا مذهب الشافعي وأحمد، ومن الأدلة على ذلك:
· أنه
قصاص لم يتحتم استيفاؤه فوقف على قوله, كما لو كان بالغا غائبا.
· لا
يصح قياسه على القصاص في النفس، لأن القصاص ليس هو له, إنما هو لوارثه والإمام
المتولي له.
القول الثاني: أن للإمام
استيفاء القصاص له، وهو رواية عن أحمد , وهو مذهب أبي حنيفة، لأنه أحد نوعي
القصاص فكان للإمام استيفاؤه عن اللقيط كالقصاص في النفس.
الترجيح:
نرى أن الأرجح في المسألة مراعاة
مصلحة اللقيط في الحالين، فإن كان من مصلحته تعجيل حظه المالي أو القصاص ردعا
للجاني، فذلك للإمام.
أما في حال التوقف، أو خشي على تلف
المال في حال استيفائه قبل البلوغ، فإن الأرجح هو تأجيل ذلك إلى بلوغ اللقيط
ورشده.
سنذكر هنا الضوابط الشرعية لحماية
اللقيط:
اختلف الفقهاء في اشتراط الإشهاد على
اللقيط على قولين:
القول الأول: لا يجب
الإشهاد عليه إن كان أمينا , وهو وجه عند الحنابلة، وهو قول المالكية، واستدلوا
على ذلك بعدم وجوب الإشهاد في اللقطة، أما إن كان غير أمين، فيجب الإشهاد عليه.
القول الثاني: يجب الإشهاد
عليه، وهو قول الشافعية[62]، ووجه عند الحنابلة, وعليه اقتصرت بعض كتبهم، ومن الأدلة على ذلك:
· أن
القصد بالإشهاد حفظ النسب والحرية , فاختص بوجوب الشهادة , كالنكاح.
· أن
هناك فرقا بين اللقطة واللقيط في الإشهاد , لأن اللقطة الغرض منها المال ,
والإشهاد في التصرف المالي مستحب , والغرض من التقاط اللقيط حفظ حريته ونسبه ,
فوجب الإشهاد , كما في النكاح، زيادة على أن اللقطة يشيع أمرها بالتعريف ولا تعريف
في اللقيط.
الترجيح:
نرىأن الأرجح في المسألة وجوب
الإشهاد عليه لما يترتب على ذلك من المصالح للقيط، كالبحث عن نسبه، والحفاظ على
حريته وماله، ولهذا عد ابن حجر عدم الإشهاد عند أخذ اللقيط من الكبائر، فقال:(وكون
هذه كبيرة هو ما صرح به الزركشي)، واستدل لذلك بعظم مفاسدها , لأن (ترك الإشهاد
ربما أداه إلى ادعاء رقه , فإذا كان ما يؤدي إلى مفسدة هي ادعاء الرق كبيرة لكونه
يؤدي إلى كبيرة وهي ادعاء رق الحر ولو بطريق الأصالة والدار كما في اللقيط فإن
الحكم بحريته إنما هو كذلك , وذلك لأن للوسائل حكم المقاصد فأولى ما ذكرته مما سبق
فإنه بنفسه مفسدة أي مفسدة , أو يؤدي إلى مفسدة أعظم أو أقرب وقوعا من هذه
المفسدة)[63]
ولكن مع ذلك، فإنه إن عرضت بعض
المفاسد التي قد تمنع الإشهاد، ومن ذلك اتهام اللقيط في عرضه، وتعرضه للسبة بسبب
ذلك، فإن الأرجح في هذه الحالة هو القول الأول.
اتفق الفقهاء على أن الملتقط إن كان
أمينا أقر اللقيط في يده، ومن الأدلة على ذلك:
· أن
عمر - رضي الله عنه - أقر اللقيط في يد
أبي جميلة, حين قال له عريفه: إنه رجل صالح
· أنه
سبق إليه فكان أولى به لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -:(من سبق إلى ما لم يسبق
إليه مسلم فهو أحق به)[64]
أما إن كان غير أمين، فقد اختلف
الفقهاء في ترك اللقيط في يده على قولين:
القول
الأول: أنه يقر في يديه ويمنع من السفر به لئلا يدعى
رقه ويبيعه، وهو الظاهر من قول الحنابلة، مع اشتراط أن يضم إليه من يشرف عليه،
واستدلوا على ذلك بما يلي:
· أننا
إذا ضممنا إليه في اللقطة من يشرف عليه فهاهنا أولى.
· أنه
قد ثبتت له الولاية بالتقاطه إياه, وسبقه إليه وأمكن حفظ اللقيط في يديه
بالإشهاد عليه وضم أمين يشارفه إليه, ويشيع أمره فيعرف أنه لقيط فيحفظ بذلك من
غير زوال ولايته جمعا بين الحقين, كما في اللقطة.
· أن
هذا يشبه ما لو كان الوصى خائنا.
· أن
ما ذكر من الترجيح للقطة فيمكن معارضته بوجوه:
الوجه الأول: أن اللقيط
ظاهر مكشوف لا تخفى الخيانة فيه واللقطة مستورة خفية تتطرق إليها الخيانة, ولا
يعلم بها.
الوجه الثاني: أن اللقطة
يمكن أخذ بعضها وتنقيصها وإبدالها ولا يتمكن من ذلك في اللقيط.
الوجه الثالث: أن المال محل
الخيانة, والنفوس إلى تناوله وأخذه داعية بخلاف اللقيط فعلى هذا متى أراد
الملتقط السفر باللقيط منع منه لأنه يبعده ممن عرف فلا يؤمن أن يدعى رقه ويبيعه.
القول الثاني: أنه ينزع من
يديه، وهو قول الشافعي وأحمد، ومن الأدلة على ذلك:
· أنه
ليس في حفظ اللقيط إلا الولاية ولا ولاية لفاسق.
· أنه
لا يصح قياسه على اللقطة من وجوه:
الوجه الأول: أن في اللقطة
معنى الكسب, وليس ها هنا إلا الولاية.
الوجه الثاني: أن اللقطة لو
انتزعناها منه رددناها إليه بعد الحول فاحتطنا عليها مع بقائها في يديه وها هنا لا
ترد إليه بعد الانتزاع منه بحال, فكان الانتزاع أحوط.
الوجه الثالث: أن المقصود ثم
حفظ المال ويمكن الاحتياط عليه بأن يستظهر عليه في التعريف أو ينصب الحاكم من يعرفها,
وها هنا المقصود حفظ الحرية والنسب ولا سبيل إلى الاستظهار عليه لأنه قد يدعى رقه
في بعض البلدان أو في بعض الزمان.
الوجه الرابع: أن اللقطة
إنما يحتاج إلى حفظها والاحتياط عليها عاما واحدا وهذا يحتاج إلى الاحتياط عليه في
جميع زمانه.
الترجيح:
نرى أن الأرجح في المسألة هو القول
الثاني، لأن غير الأمين يمكن أن يستغله لأي غرض، فلذلك لا مصلحة للقيط في كفالة
الخائن، ومن العجيب أن يقاس اللقيط الذي هو إنسان محترم باللقطة، فلا جامع بينهما
إطلاقا.
اتفق الفقهاء على أنه إذا التقط
اللقيط من هو مستور الحال, لم تعرف منه حقيقة العدالة ولا الخيانة، فإنه يقر
اللقيط في يديه، واستدلوا على ذلك بما يلي:
· أن
حكمه حكم العدل في لقطة المال والولاية في النكاح والشهادة فيه وفي أكثر الأحكام.
· أن
الأصل في المسلم العدالة ولذلك قال عمر رضي الله عنه: المسلمون عدول بعضهم على
بعض.
وقد ذكرنا تفاصيل الأدلة على هذا في
محلها من هذه السلسلة، وقد اختلف الفقهاء فيما لو أراد مستور الحال السفر بلقيطه
علىقولين:
القول الأول: لا يقر في
يديه، وهذا مذهب الشافعي وأحمد، واستدلوا على ذلك بأنه ما دامت لم يتحقق أمانته
فإنه لا تؤمن الخيانة منه.
القول الثاني: يقر في يديه،
وهو رواية عن أحمد، ومن الأدلة على ذلك:
· أنه
يقر في يديه في الحضر من غير مشرف يضم إليه, فأشبه العدل.
· أن
الظاهر الستر والصيانة.
الترجيح:
نرى أن الأرجح في المسألة أن يحكم لمستور
الحال بحكم العدل، لصعوبة الحكم بالعدالة على أكثر العامة، فلذلك تسري إليه أحكام
العدل إلا إذا ظهر منه ما يناقضها.
اتفق الفقهاء على أن من عرفت عدالته وظهرت
أمانته, فإن اللقيط يقر في يده سواء كان ذلك في سفره أوحضره، باعتباره مأمونا
عليه، وهذا بشرط أن لا يكون السفر سفر نقلة، أما إن كان سفر نقلة، فإن حكمه يختلف
بحسب البلد الذي ينقل إليه، وتفصيل ذلك في الأحوال التالية:
الحالة الأولى: الانتقال به
من الحضر الذي وجده فيه إلى البادية، وقد نص الفقهاء على عدم ترك اللقيط في يد
الملتقط في هذه الحالة[65] للمصالح التالية:
· أن
مقامه في الحضر أصلح له في دينه ودنياه وأرفه له.
· أنه
إذا وجد في الحضر فالظاهر أنه ولد فيه, فبقاؤه فيه أرجى لكشف نسبه وظهور أهله
واعترافهم به.
ونرى في حال انتفاء كلتا المصلحتين
أن يقر في يده، باعتبار البداوة الآن تحوي من المرافق ما يضمن رفاهية ومصلحة
اللقيط.
الحالة الثانية: الانتقال به
من بلد حضري إلى بلد حضري آخر، وقد اختلف الفقهاء في حكم ذلك على قولين كلاهما
للحنابلة:
القول الأول: ينزع من يده،
لأن بقاءه في بلده أرجى لكشف نسبه, فلم يقر في يده المنتقل عنه قياسا على
المنتقل به إلى البادية.
القول الثاني: يقر في يده،
ومن الأدلة على ذلك:
· أن
ولايته ثابتة, والبلد الثاني كالأول في الرفاهية فيقر في يده كما لو انتقل من
أحد جانبى البلد إلى الجانب الآخر.
· فارق
المنتقل به إلى البادية لأنه يضر به بتفويت الرفاهية عليه.
الترجيح:
نرى أن الأرجح في المسألة هو النظر
في البلد الذي يريد أن يتنقل إليه، وتحقق مصالح اللقيط في ذلك البلد.
بل إن هذه المراعاة قد تستدعي
استحسان هذا التنقل خاصة إن علم بالتقاط الملتقط للقيط، وخشي عليه أن يتعرض للأذى
في مستقبله، فإن الأرجح في هذه الحالة هو البحث عن البلد الذي يأمن فيه، ولو
بتسليمه لغير الملتقط، مع مراعاة البحث عن أهله في هذه الحال.
الحالة الثالثة: الانتقال به
من البادية إلى الحضر، وقد اتفق الفقهاء على جواز ذلك، لأن في ذلك مصلحة اللقيط
بانتقاله من أرض البؤس والشقاء إلى الرفاهية والدعة والدين.
الحالة الرابعة: التنقل به في
البادية، وتحتمل هذ الحالة بناء على ما سبق قولين:
القول الأول: أن يترك في
يده لأن الظاهر أنه ابن بدويين, وإقراره في يدي ملتقطه أرجى لكشف نسبه.
القول الثاني: أن يؤخذ منه
فيدفع إلى صاحب قرية لأنه أرفه له وأخف عليه.
ونرى أن الأرجح هو عدم إمكانية الحكم
العام في هذه المسألة، ففي كل حالة تفاصيلها، ولهذا يترك امر للقاضي العدل، أو
الملتقط الأمين.
اتفق الفقهاء على أنه يشترط في ثبات
اللقيط بيد الملتقط أن يكون حرا[66]، فلذلك لا يصح أن يترك في يد عبد[67]، ومن الأدلة على ذلك:
· أن
منافعه لسيده فلا يذهبها في غير نفعه إلا بإذنه.
· أنه
لا يثبت على اللقيط إلا الولاية ولا ولاية لعبد.
ومع ذلك، فقد نصوا على أنه إن أذن له
السيد في إمساكه أقر في يديه، لأنه استعان به في ذلك, فصار كما لو التقطه بيده
وسلمه إليه، وفي هذه الحالة نص الفقهاء على أنه لا يمكن للسيد الرجوع عن إذنه، بل
يصيركما لو التقطه هو.
ليس للكافر التقاط مسلم، فإن التقطه
لم يقر في يده، ومن الأدلة على ذلك:
· أنه
لا ولاية لكافر على مسلم.
· أنه
لا يؤمن أن يفتنه ويعلمه الكفر, بل الظاهر أنه يربيه على دينه وينشأ على ذلك
كولده.
أما إن كان الطفل محكوما بكفره,
فله التقاطه، لأن الذين كفروا بعضهم أولياء بعض.
الحق التاسع: حفظ اللقيط
من التنازع
إذا وجد اللقيط اثنان، وتناولاه
تناولا واحدا، ثم تنازعا، يطلب كل واحد منهما أن يبقى بيده، فإن ذلك لا يخلوا من
الأحوال التالية:
الحالة الأولى: أن يكون أحدهما
أولى به من الآخر، كالمسلم العدل الحر، بينما لا تتوفر بعض هذه الصفات في الآخر،
كالكافر إذا كان اللقيط مسلما, والفاسق، والعبد إذا لم يأذن له سيده والمكاتب.
وقد اتفق الفقهاء في هذه الحالة على
أنه يسلم إلى الأولى منهما به، وتصير مشاركة غيره له كعدمها، بدليل أنه لو التقطه
وحده لم يقر في يده فإذا شاركه من هو من أهل الالتقاط أولى.
وقد اختلف الفقهاء هنا فيما لو كان
أحدهما مستور الحال, والآخر ظاهر العدالة على قولين:
القول الأول: أن يرجح العدل
لأن المانع من الالتقاط منتف في حقه بغير شك والأمر مشكوك فيه, فيكون الحظ للطفل
في تسليمه إليه أتم.
القول الثاني: أن يتساويا
لأن احتمال وجود المانع لا يؤثر في المنع فلا يؤثر الترجيح.
الترجيح:
نرى أن الأرجح في المسألة هو تقديم
الأعدل فالأعدل، بشرط أن يكون له من الظروف العيشية والمرافق ما يمكنه ممن كفالته
بسهولة ويسر.
ويمكن للتحري القضائي في هذه المسائل
أن يستبين من كلا المتنازعين ما قد يجعله يرجح أحدهما، لأن الأولى مراعاة مصلحة
اللقيط لا مصلحة المتنازعين.
الحالة الثانية: أن يكون
كلاهما ممن لا يصلح لكفالته، كالكافر إذا كان اللقيط مسلما, والفاسق، والعبد إذا
لم يأذن له سيده والمكاتب، فإنه في هذه الحالة ينزع منهما ويسلم إلى غيرهما.
الحالة الثالثة: أن يكون
كلاهما ممن يصلح لكفالته، لكن مصلحة اللقيط عند أحدهما أكثر مما عند الآخر، كأن
يكون أحدهما موسرا والآخر معسرا، فالموسر أحق بكفالته، لأن ذلك أحظ للطفل، وعلى
قياس هذا يقدم الموسر الجواد على الموسر البخيل لأن حظ الطفل عنده أكثر من الجهة
التي يحصل له الحظ فيها باليسار وربما تخلق بأخلاقه, وتعلم من جوده.
وقد اختلف الفقهاء هنا فيما لو التقط
مسلم وكافر طفلا محكوما بكفره، فكلاهما يصلح لكفالته، ولكن مصلحة اللقيط الدينية
عند المسلم منهما، على قولين:
القول الأول: المسلم أحق
بكفالته، ولو كان المسلم فقيرا والكافر موسرا, ومن الأدلة على ذلك:
· أن
دفعه إلى المسلم أحظ له لأنه يصير مسلما فيسعد في الدنيا والآخرة, وينجو من
النار.
· أن
الترجيح بهذا أولى من الترجيح باليسار الذي إنما يتعلق به توسعة عليه في
الإنفاق, وقد لا تحصل إذا كان الموسر بخيلا.
القول الثاني: أنهما سواء في
حق الكفالة، وهو قول الحنابلة، والشافعية، ومن الأدلة على ذلك أن للكافر ولاية على
الكافر, ويقر في يده إذا انفرد بالتقاطه فساوى المسلم في ذلك.
الترجيح:
نرى أن الأرجح في المسألة هو القول
الأول، لأنه لا يمكن مقارنة المصالح التي ينالها اللقيط من المسلم مع المصالح التي
ينالها من الكافر.
ومن العجيب أن تطرح مثل هذه المسألة
ليقارن فيها بين الغنى والإسلام، زيادة على أنا ذكرنا أن الأصل في الأولاد الإسلام
لا الكفر، لأن كفرهم لا يتحقق إلا بتربيتهم، وهي لم تحصل بعد، فكيف يحكم عليه
بالكفر.
الحالة الرابعة: أن يكون
كلاهما ممن يصلح لكفالته، ويتساويا في كونهما مسلمين عدلين حرين مقيمين، أو يكون
أحدهما رجلا والآخر امرأة[68]، فإنهما في هذه الحالة يرجع إليهما أولا، فإن رضي أحدهما بإسقاط
حقه, وتسليمه إلى صاحبه جاز، لأن الحق له فلا يمنع من الإيثار به.
أما إن اختلفا وتشاحا وبقي النزاع
بينهما، فقد نص الفقهاء على أنه يلجأ إلى ما وضعه الشرع حلا للنزاع في حال تساوي حقوق
المتنازعين وهو القرعة، وقد سبق ذكر أدلتها في مواضع من هذه السلسلة، وبالإضافة
إلى ذلك هنا:
· قول
الله تعالى:﴿ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ
يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ ﴾ (آل عمران: من
الآية44)
· أنه
لا يمكن كونه عندهما لأنه لا يمكن أن يكون عندهما في حالة واحدة وإن تهايآه,
فجعل عند كل واحد يوما أو أكثر من ذلك أضر بالطفل لأنه تختلف عليه الأغذية والأنس
والإلف.
· أنه
لا يمكن دفعه إلى أحدهما دون الآخر بغير قرعة لأن حقهما متساو فتعيين أحدهما
بالتحكم لا يجوز, فتعين الإقراع بينهما كما يقرع بين الشركاء في تعيين السهام في
القسمة وبين النساء في البداية بالقسمة, وبين العبيد في الإعتاق.
إذا اختلف الملتقطان، فادعى كل واحد
منهم سبقه إلى اللقيط[69]، فإن حكم ذلك يختلف بحسب وجود البينة وعدمها كما يلي:
نص الفقهاء على أن صاحب البينة أولى
من غيره في استلام اللقيط، ونصوا على أنه إذا كان لكل واحد منهما بينة فإنه يقدم
أسبقهما تاريخا، لأن الثاني إنما أخذ ممن قد ثبت الحق فيه لغيره.
واختلفوا فيما لو استوى تاريخهما,
أو أطلقتا معا أو أرخت إحداهما وأطلقت الأخرى على قولين:
القول الأول: يسقطان
فيصيران كمن لا بينة لهما.
القول الثاني: يصح
قبولهما, ويقرع بينهما فمن قرع صاحبه كان أولى.
الترجيح:
نرى أن الأرجح في المسألة أن العبرة
بقوة البينة لا بتاريخها، ونرى أن هذا من مسائل القضاء التي تستدعي التحري، وله
طرقه الكثيرة التي نص عليها الفقهاء، فإن لم يعلم أولاهما على وجه اليقين نظر إلى
مصلحة اللقيط، فإن استويا لجئ إلى القرعة.
إذا
تنازع الملتقطان، ولا بينة لأحدهما على سبقه للقيط، فإن حكم ذلك يختلف بحسب
الحالات التالية:
الحالة الأولى: كونه في يد
أحدهما, وقد اختلف الفقهاء فيها على قولين:
القول الأول: أن القول قوله
مع يمينه أنه التقطه، وهو قول الشافعي، وقول أبي الخطاب من الحنابلة، لقوله - صلى
الله عليه وسلم -:(لو يعطى الناس بدعواهم لادعى قوم دماء قوم وأموالهم ولكن
اليمين على المدعي عليه)[70]
القول الثاني: أن القول قوله
من غير حاجة إلى يمين، وهو قول القاضي، قياسا على عدم حلفه في الطلاق والنكاح.
الترجيح:
نرى أن الأرجح في المسألة هو القول
الأول من باب الاحتياط، وإعمالا لقوله - صلى الله عليه وسلم -، فإنه نص عند
التنازع، زيادة على أنه لا ضرر عليه في الحلف ما دام صادقا، لا شرعا ولا عرفا.
الحالة الثانية: كونه في
أيديهما جميعا، وقد نص الفقهاء على أنه في هذه الحالة يلجأ إلى القرعة، كما مر
بيانه، وقد اختلفوا هنا كذلك في اشتراط الحلف على قولين:
القول الأول: أن اللقيط
يسلم بعد القرعة والحلف، وهو قول الشافعي وأحمد، بناء عل ما سبق.
القول الثاني: لا تشرع
اليمين ها هنا ويسلم إليه بمجرد وقوع القرعة له، وهو قول القاضي، قياسا على عدم
حلفه في الطلاق والنكاح.
الترجيح:
نرى أن الأرجح في المسألة أن يسلم إليه بعد
الحلف زيادة في الاحتياط، لأن التورع قد يحجزه عن أن يأخذ ما ليس بحقه.
الحالة الثالثة: عدم كونه في
يد واحد منهما, وقد اختلفوا في ذلك على قولين:
القول الأول: يسلمه الحاكم
إلى من يرى منهما أو من غيرهما، وهو قول القاضي وأبي الخطاب، لأنه حق لهما.
القول الثاني: أن الأولى أن
يقرع بينهما، وقد رجحه ابن قدامة، كما لو كان في أيديهما لأنهما تنازعا حقا في يد غيرهما,
فأشبه ما لو تنازعا وديعة عند غيرهما.
الترجيح:
نرى أن الأرجح في المسألة النظر إلى مصلحة
اللقيط، فإن خشي استمرار التنازع بعد حكم القضاء، فالأولى أن يسلم لغيرهما، بل
الأولى أن ينقل إلى بلد آخر حفظا له من آثار التنازع.
الحالة الرابعة: وصف أحدهما له،
بأن يذكر علامة مستورة في جسده، وقد اختلف الفقهاء في هذه الحالة على قولين:
القول الأول: أن الواصف
مقدم على غيره، وهو قول أبي حنيفة، وقول أبي الخطاب، ومن الأدلة على ذلك:
· أن
هذا نوع من اللقطة, فقدم بوصفها كلقطة المال.
· أن
ذلك يدل على قوة يده, فكان مقدما بها.
· أن
قياس اللقيط على اللقطة أولى من قياسه على غيرها لأن اللقيط لقطة أيضا.
القول الثاني: لا يقدم
بالصفة، وهو قول الشافعي، وذلك كما لو وصف المدعى فإنه لا تقدم به دعواه.
الترجيح:
نرى أن الأرجح في المسألة هو أن هذا يدخل ضمن
تحريات القاضي، فإن علم أن مثل هذا الوصف لا ينطبق إلا عن معرفة شديدة تدل على
السبق، فإنه أولى به من غيره على حسب الشروط المذكورة سابقا.
وقد ذكرنا الحلول الشرعية الكثيرة
لهذا التنازع في محلها من الجزء الخاص بحقوق الأولاد النفسية والصحية، زيادة على
ما ذكرنا في هذا الفصل من حق اللقيط في النسب.
وسنذكر هنا ما يتعلق بالتنازع في نسب
اللقيط، فمن الصور التي ذكرها الفقهاء لذلك:
اختلف الفقهاء فيما لو تنازع نسب
اللقيط مسلم وكافر[71] على قولين:
القول الأول: أنهما سواء في
حق الادعاء، وهو قول أحمد والشافعي، ومن الأدلة على ذلك:
· أن
كل واحد منهم إذا انفرد صحت دعواه, فإذا تنازعوا تساووا في الدعوى كالأحرار
المسلمين.
· أن
النسب لا يشبه الحضانة بدليل أننا نقدم في الحضانة الموسر والحضرى ولا نقدمهما في
دعوى النسب.
· أن
ما ذكره المخالفون من الضرر لا يتحقق, فإننا لا نحكم برقه ولا كفره.
القول الثاني: أن المسلم
أولى من الذمي, والحر أولى من العبد، وهو قول أبي حنيفة، واستدلوا على ذلك بأن
على اللقيط ضررا في إلحاقه بالعبد والذمى فكان إلحاقه بالحر المسلم أولى كما لو
تنازعوا في الحضانة.
وهو قول ابن حزم بالنسبة لتنازع
المسلم والكافر تغليبا للإسلام، قال:(وكل من ادعى أن ذلك اللقيط ابنه من المسلمين
حرا كان , أو عبدا صدق , إن أمكن أن يكون ما قال حقا , فإن تيقن كذبه لم يلتفت)
واستدل لذلك بقوله:(برهان ذلك أن
الولادات لا تعرف إلا بقول الآباء والأمهات , وهكذا أنساب الناس كلهم , ما لم
يتيقن الكذب. وإنما قلنا - للمسلمين - للثابت عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -
من قوله - صلى الله عليه وسلم -:(كل مولود يولد على الفطرة وعلى الملة)، وقوله -
صلى الله عليه وسلم - عن ربه تعالى في حديث عياض بن حمار المجاشعي:(خلقت عبادي
حنفاء كلهم)، ولقوله تعالى:﴿ وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي
آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ
أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى ((لأعراف: من الآية172)، فإن ادعاه كافر لم
يصدق ; لأن في تصديقه إخراجه عن ما قد صح له من الإسلام , ولا يجوز ذلك إلا حيث
أجازه النص ممن ولد على فراش كافر من كافرة فقط)[72]
الترجيح:
نرى أن الأرجح في المسألة هو ما ذكرنا من أنها
من مسائل القضاء، فهو الذي يستخدم أساليبه في التحري، وينسبه لأحدهما بحسب ما تدل
عليه الأدلة اليقينية.
ولا يمكن أن ينسب للمسلم بمجرد
إسلامه، لأن دعوى النسب من الأمور التي لا علاقة لها بهذا، وقد قال تعالى:﴿ ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ
أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ ((الأحزاب: من الآية5)
نص الفقهاء على أنه إن حصل النزاع
بين امرأتين حول نسب القيط، فادعاه كل منهما، فإن العبرة بمدى قبول دعواهما، فإن
كانتا ممن لا تقبل دعواهما, لم تسمع دعواهما،
وإن كانت إحداهما ممن تسمع دعواها دون الأخرى فهو ابنها كالمنفردة به.
فإن تساويتا في قبول الدعوى نظر إلى
بينة كل منهما، أو استعملت القافة عند من يقول بها، قال أحمد في رواية بكر بن محمد
في يهودية ومسلمة ولدتا, فادعت اليهودية ولد المسلمة فتوقف فقيل: يرى
القافة؟ فقال: ما أحسنه.
وعللوا ذلك بأن الشبه يوجد بينها
وبين ابنها, كوجوده بين الرجل وابنه بل أكثر لاختصاصها بحمله وتغذيته.
ونرى أن هذا هو الأرجح، والقافة في
عصرنا هم أصحاب المخابر الذين يبحثون في مدى صدق كل منهما.
واختلف الفقهاء هنا في جواز إلحاقه
بأمين، إما بسبب البينة، أو بقول القافة على قولين:
القول الأول: لا يلحق
بهما, ويبطل قول القافة لكون خطئه يقينيا، وهو قول الحنابلة، ومن الأدلة على
ذلك:
· أن
كونه منهما محال يقينا فلم يجز الحكم به, كما لو كان أكبر منهما أو مثلهما.
· وفارق
الرجلين فإن كونه منهما ممكن, فإنه يجوز اجتماع النطفتين لرجلين في رحم امرأة
فيمكن أن يخلق منهما ولد كما يخلق من نطفة الرجل والمرأة ولذلك قال القائف لعمر:
قد اشتركا فيه.
· لا
يلزم من إلحاقه بمن يتصور كونه منه, إلحاقه بمن يستحيل كونه منه كما لم يلزم من
إلحاقه بمن يولد مثله لمثله إلحاقه بأصغر منه.
القول الثاني: يلحق بهما
بمجرد الدعوى، وهو قول الحنفية[73]، ومن الأدلة على ذلك:
· أن
الأم أحد الأبوين فجاز أن يلحق باثنين كالآباء.
· أن
شهادة المرأة الواحدة حجة تامة في إثبات الولادة لأنه لا يطلع عليها الرجال فكان
إقامة كل واحدة منهما امرأة واحدة بمنزلة إقامتها رجلين أو رجلا وامرأتين.
الترجيح:
نرى أن الأرجح في المسألة هو ما ذكرنا سابقا من
أن العبرة بقول القافة الذي لا يخرج عن الواقع، وهذه الصورة مستحيلة، فلذلك لا
عبرة بهذا القول، ويعاد البحث والتحري.
الأصل فيما لو ادعى نسب اللقيط رجل
وامرأة هو نسبته إليهما جميعا، لعدم التنافي بينهما، لأنه يمكن أن يكون منهما
بنكاح كان بينهما, أو وطء شبهة فيلحق بهما جميعا ويكون ابنهما بمجرد دعواهما,
كما لو انفرد كل واحد منهما بالدعوى.
أما إذا اختلفا بأن قال الرجل: هذا
ابنى من زوجتى، وادعت زوجته ذلك، وادعته امرأة أخرى فقد نصوا على أنه ابن الرجل.
وإذا ادعته الزوجة، وأقر ذلك زوجها،
فقد اختلف في ذلك على قولين:
القول الأول: ترجح زوجته
على الأخرى، لأن زوجها أبوه فالظاهر أنها أمه.
القول الثاني: يتساويا في الدعوى، لأن كل واحدة منهما لو
انفردت ألحق بها, فإذا اجتمعتا تساوتا.
الترجيح:
نرى أن الأرجح في المسألة هو أنه لا
تقبل أي دعوى إلا ببينة تدل عليها، فإن لم توجد البينة التجئ إلى القافة بمفهومها
الحديث.
وقد ذكر الفقهاء شيئا من هذا عندما
تحدثوا في تنازع امرأتين نسب ولد وبنت فادعت كل واحدة منهما أن الابن ولدها دون
البنت أنه يعرض لبنيهما على أهل الطب والمعرفة (فإن لبن الذكر يخالف لبن الأنثى في
طبعه وزنته، وقد قيل لبن الابن ثقيل ولبن البنت خفيف فيعتبران بطباعهما ووزنهما
وما يختلفان به عند أهل المعرفة، فمن كان لبنها لبن الابن فهو ولدها والبنت
للأخرى، فإن لم يوجد قافة اعتبرنا اللبن خاصة)[74]
وهذا القول ـ وإن كنا لا ندري مدى
صحته علميا ـ إلا أنه يدل على استعمال القاضي لجميع وسائل التحري الممكنة.
أما ما ذكروه من رجحان جانب الرجل
إذا أيدته الزوجة، فإنه معارض بقصد الحيلة منهما، فمن ينفي التهمة عنهما في هذا؟
([1]) وهو أساس مهم من أسس
الفقه المقاصدي، باعتباره يراعي جلب المصالح، ودرء المفاسد، أو يحمي من المفاسد
الحاصلة او المتوقعة.
([4]) حتى أن هناك أحاديث
كثيرة وضعت تنفر من اللقطاء، وتعتبرهم مجرمين، وهي للأسف تنتشر، وكأنها بديهيات مع
أنها كذب مناقض للقرآن الكريم، ومناقض للسنة ومناقض للشريعة السمحة العادلة، ومن
ذلك ما وري في الحديث المكذوب:« لا يدخل الجنة ولد زنى ولا ولده ولا ولد ولده »،
ومنها ما روي أن « أولاد الزنى يحشرون يوم القيامة في صورة القردة والخنازير»
([5]) تسميته لقيطا باسم
العاقبة ; لأنه يلقط عادة أي: يؤخذ ويرفع، وتسمية الشيء باسم عاقبته أمر شائع في
اللغة قال الله U:) وَدَخَلَ مَعَهُ
السِّجْنَ فَتَيَانِ قَالَ أَحَدُهُمَا إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْراً﴾(يوسف:
من الآية36)وقال الله U:) إِنَّكَ مَيِّتٌ
وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ((الزمر:30)، والعرب تسمي العنب خمرا والحي الذي يحتمل
الموت ميتا باسم العاقبة، انظر: بدائع الصنائع: 6/197.
وهو من جهة أخرى من
باب التفاؤل بالتقاطه بخلاف تسميته منبوذا.
([19]) ) لأنها يمكن أن تلد من
وطء شبهة أو غيره، وإن كان الولد يحتمل أن يكون موجودا قبل أن يتزوجها هذا الزوج
أمكن أن يكون من زوج آخر.
([21]) كما نقل الكوسج عن أحمد
في امرأة ادعت ولدا: إن كان لها إخوة أو نسب معروف لا تصدق إلا ببينة, وإن لم
يكن لها دافع لم يحل بينها وبينه لأنه إذا كان لها أهل ونسب معروف لم تخف ولادتها
عليهم, ويتضررون بإلحاق النسب بها لما فيه من تعييرهم بولادتها من غير زوجها
وليس كذلك إذا لم يكن لها أهل. انظر: المغني: 6/44.
([27]) قال في عون المعبود:« إن
أهل الجاهلية كانت لهم إماء يساعين وهن البغايا اللواتي ذكرهن الله تعالى في قوله U:) ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء﴾ إذا كان سادتهن يلمون بهن ولا يجتنبوهن فإذا جاءت
إحداهن بولد وكان سيدها يطؤها وقد وطئها غيره بالزنا، فربما ادعاه الزاني وادعاه
السيد، فحكم النبي - صلى الله عليه وسلم -
بالولد لسيدها، لأن الأمة فراش السيد كالحرة ونفاه عن الزاني» عون المعبود:
6/252.
([45]) لأن القياس أن يقتل إن
أبى أن يسلم لأنه كان محكوما بإسلامه فيقتل على الردة كما لو وصف الإسلام بنفسه
قبل البلوغ ثم ارتد.
([54]) بناء على ما روى أبو
الحارث, عن أحمد في رجل أودع رجلا مالا وغاب, وطالت غيبته وله ولد ولا نفقة له
هل ينفق عليهم هذا المستودع من مال الغائب؟ فقال: تقوم امرأته إلى الحاكم,
حتى يأمره بالإنفاق عليهم فلم يجعل له الإنفاق عليهم من غير إذن الحاكم.
وقد رد ابن قدامة على
عدم صحة هذا القياس من الوجوه التالية:
1.أن الملتقط له ولاية
على اللقيط وعلى ماله فإن له ولاية أخذه وحفظه.
2.أنه ينفق على اللقيط
من ماله وهذا بخلافه.
3.أن الإنفاق على
الصبى من مال أبيه مشروط بكون الصبى محتاجا إلى ذلك, لعدم ماله وعدم نفقة تركها
أبوه برسمه وذلك لا يقبل فيه قول المودع, فاحتيج إلى إثبات ذلك عند الحاكم وليس
كذلك في هذه المسألة. المغني: 6/39.
([59]) قال المناوي في فيض
القدير (4/392)أخرجه الطبراني عن عمرو بن حزام وقال الهيثمي: فيه عمران بن أبي
الفضل وهو ضعيف.
([61]) وحكم ذلك عندهم يختلف
باختلاف غنى اللقيط وفقره:
فإن كان له مال مال
يكفيه في نفقته وقف الأمر على بلوغه ليقتص أو يعفو سواء كان عاقلا أو معتوها.
أما إن كان فقيرا لا
مال له، فإنه إن كان عاقلا ينتظر بلوغه أيضا.
أما إن كان معتوها،
فللولى العفو على مال يأخذه له، لعدم إمكانية انتظار صحة حاله. المغني: 6/37.
([62]) وقيد الماوردي وجوب
الإشهاد على اللقيط وعلى ما معه بحالة ما إذا كان هو الملتقط، أما من سلمه الحاكم
له ليكفله فالإشهاد مستحب له.
([65]) وذلك بشرط أن يوجد من
يدفع إليه, ممن هو أولى به، فإن لم يوجد من يقوم به ترك في يدي ملتقطه، لأن
إقراره في يديه مع قصوره أولى من إهلاكه وإن لم يوجد إلا مثل ملتقطه, فملتقطه
أولى به إذ لا فائدة في نزعه من يده ودفعه إلى مثله.
([66]) أما إن لم يجد أحدا
يلتقطه سواه فإنه يجب التقاطه لأنه تخليص له من الهلاك، ويبقى ثباته موقوفا على
إذن سيده.
([67]) ونفس الحكم ينطبق على
الأمة والمكاتب والمدبر وأم الولد والمعلق عتقه بصفة, كالقن وكذلك المكاتب لأنه
ليس له التبرع بماله, ولا بمنافعه إلا أن يأذن له سيده في ذلك.
([68]) وقد نص الفقهاء على أنه لا
ترجح المرأة هنا كما ترجح في حضانة ولدها على أبيه لأنها رجحت ثم لشفقتها على
ولدها, وتوليها لحضانته بنفسها والأب يحضنه بأجنبية فكانت أمه أحظ له وأرفق
به, أما ها هنا فإنها أجنبية من اللقيط والرجل يحضنه بأجنبية فاستويا.
([69]) نص الفقهاء على أن السبق
معتبر بالأخذ لا بمجرد الرؤية، كما قال - صلى الله
عليه وسلم -:« من
سبق إلى ما لم يسبق إليه مسلم فهو أحق به » [سبق تخريجه ]، فلهذا إن رآه أحدهما
قبل صاحبه, فسبق إلى أخذه الآخر فالسابق إلى أخذه أحق لأن الالتقاط هو الأخذ لا
الرؤية.
أما لو قال أحدهما
لصاحبه: ناولنيه فأخذه الآخر نظرنا إلى نيته, فإن نوى أخذه لنفسه فهو أحق كما
لو لم يأمره الآخر بمناولته إياه وإن نوى مناولته فهو للآمر لأنه فعل ذلك بنية
النيابة عنه, فأشبه ما لو توكل له في تحصيل مباح.
وهذا كله بالشروط التي
سنذكرها في هذه المسائل.
([73]) وهذا في رواية أبي حفص,
وأما في رواية أبي سليمان فإنه لا يكون ابن واحدة منهما، ووجهها السرخسي بأن شهادة
المرأة الواحدة حجة ضعيفة لأنها شهادة ضرورية فلا تكون حجة عند المعارضة والمزاحمة
« ألا ترى أنه لو أقامت إحداهما رجلين , والأخرى امرأة واحدة لم تكن شهادة المرأة
الواحدة حجة في معارضة شهادة رجلين فلا يثبت النسب من واحدة منهما إلا أن يقيم كل
واحدة منهما البينة رجلين أو رجلا وامرأتين فحينئذ يثبت النسب منهما »