الصفحة السابقة

العودة للصفحة الرئيسية

الصفحة التالية

المؤلف: نور الدين أبو لحية

العودة للكتاب: مفاتيح المدائن

الناشر: دار الكتاب الحديث

 الفهرس

ثانيا ـ باب التدريب

1 ـ العلم

الأصول النظرية

التطبيقات العملية

الإشاعة:

الشمولية:

التبسيط:

المجانية:

2 ـ الإتقان

التشبه

الإنسان:

الحديث:

الرزق:

الكون:

القدوة

الصالحون:

الحيوانات:

 

الجزاء

المحبة:

الزيادة:

الرحمة:

الوقاية:

الرقابة

3 ـ التطوير

الحركة

الهمة

السنن

الزمن

4 ـ الأخلاق

حقوق الله

حقوق النفس

1 ـ حق الطاقة:

2 ـ حق الراحة

3 ـ حق الصحة

4 ـ الحق الاجتماعي

حقوق المجتمع

1 ـ الطبقية:

2 ـ التطفيف:

3 ـ التسميم:

4 ـ الإفساد:

حقوق الكون

ثانيا ـ باب التدريب

خرجنا من أبواب التشجيع لندخل أبواب التدريب، قلت للمعلم: ما التدريب؟ ولم كان المرتبة الثانية؟

قال: أنتم تعرفون التدريب.

قلت: نعرفه، ونعرف المدربين في الملاعب، ونعرف مدى غلوهم في طلب الأجور.

قال: لماذا يغالون في طلب الأجور؟

قلت: لأن نجاح الفريق يتوقف على تدريبهم.

قال: فلو أن فريقا كان له ملايين المعجبين، وكلهم يحضر مبارياته، وكلهم يصيح بحياته، ويهتف بفوزه، ولكنه ينقصه هذا المدرب.

قلت: لا يجدي صياحهم شيئا، بل هو كما قال تعالى:) وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَعْقِلُونَ( (البقرة:171)

قال: فالتدريب إذن ركن أساسي من أركان النجاح[1]، وهو من ضروريات أي عمل لا من ضروريات المستنقعات الأسنة التي تتخبطون فيها فقط.

قلت: نعم، ولكن لم كان في الباب الثاني؟

قال: لأنه لا يمكن تدريب من يخلو من الرغبة، فالرغبة أولا، ثم يأتي التدريب، والرغبة لا تكون إلا بالتشجيع.

قلت: نعم تريد أن تقول بأننا لننهض نحتاج إلى توفير وعي اجتماعي عام بضرورة العمل وقيمته وكرامته، وبعد أن تفعل هذه الدعاية فعلها، فتتحقق الرغبة في أفراد المجتمع حينها نوفر له من مراكز التكوين ما يدربهم على الأشغال التي تحفظ مجتمعهم وتبنيه، وتخلصهم من الفقر والضيق الذي يعانونه.

قال: صدقت في هذا .. ولكن التدريب أعظم شأنا من أن تكفي هذه المراكز في تحقيقه.

قلت: كيف؟ فعهدي بقومي يؤسسون مراكز لكل شيء يحتاجونه، بل لدينا مراكز للتدريب نسميها مراكز التكوين المهني.

قال: ما فعلتموه جيد، ولكنه لا يكفي، بل لا نسبة له أمام ما يتطلبه التكوين من طاقات ووظائف.

قلت: فماذا يتطلب التدريب؟

قال: يتطلب توفير أربعة أركان لا يصح التدريب إلا بها.

التفت، فرأيت أربعة أبواب تقابل الداخل إلى باب التدريب، فقلت: أتقصد الدخول إلى هذه الأبواب الأربعة.

قال: نعم، فكل باب منها ركن من أركان التدريب.

قلت: وما هي؟

قال: العلم، والإتقان، والتطوير، والأخلاق.

قلت: فما وجه الحصر فيها؟

قال: سترى ذلك عند الدخول من أبوابها، ألم تسمع الحق تعالى، وهو يقول:) وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا ( (البقرة: من الآية189)

1 ـ العلم

اقتربت من الباب الأول، فقال المعلم: هذا باب العلم، وهو أول باب من أبواب التدريب، ولا يصح دخول سائر الأبواب إلا بعد حمل ترخيص منه.

قلت: لماذا تتشدد هكذا؟

قال: هذا ليس تشددا، هذه حقيقة، فالعلم هو الباب الأول لكل شيء، ألم تسمع قوله تعالى:) وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا( (البقرة: من الآية31)؟

قلت: أجل، وقد قرأت اختلاف المفسرين في هذه الأسماء، وقرأت كذلك وجه التفضيل لآدم u حين عرض الله تعالى تلك الأسماء على الملائكة، فلم تعلمها كما علمها آدم u، قال تعالى:) ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ قَالُوا سُبْحَانَكَ لا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ( (البقرة:32)

قال: أفتستدلون بهذا على فضل آدم u على الملائكة ـ عليهم السلام؟

قلت: أجل، بل لا أحد إلا ويستدل بذلك على هذ المعنى.

قال: أخطأتم، فالله تعالى لم يعرض الأسماء على الملائكة ـ عليهم السلام ـ ليتحداهم، بل عرضها لهم ليبين لهم أن آدم u قد زود من العلوم ما يؤهله للخلافة في الأرض.

قلت: ولكنهم لم يعرفوا الأسماء التي عرضت عليهم.

قال: وما الحاجة إلى أن يعرفوها، ألم يقولوا:)  سُبْحَانَكَ لا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (؟ 

قلت: بلى، فما وجه الاستدلال في هذا؟

قال: إن الملائكة ـ عليهم الصلاة والسلام ـ وهبوا من العلوم ما يناسب وظائفهم، كما وهب آدم u من العلوم ما يناسب وظيفته، فلا تفاضل في هذا ولا تزاحم.

قلت: هذا واضح، ولكن ..

قال: تريد مثالا على هذا؟

قلت: أجل، فبالمثال يتضح المقال.

قال: أرأيت لو أن شخصا أراد أن يدرس الطب فهل يمتحن في العلوم المرتبطة به، أم يمتحن في الفلك والجغرافيا؟

قلت: بل يمتحن في المواد المرتبطة بتخصصه.

قال: فكذلك الأمر مع آدم u والملائكة، فلها من العلم ما ليس لآدم، وله من العلم ما ليس لها، ألم تسمع حديثه - صلى الله عليه وسلم - عن الملك الموكل بنفخ الروح؟

قلت: بلى، فقد قال - صلى الله عليه وسلم -:( يدخُلُ الْمَلَكُ على النطفة بعد ما تستقر فى الرحم بأَربعين أَو خمس وأَربعين ليلة فيقول: يا رب، أشقى أَم سعيد؟ فيكتبان، فيقول: يا رب أَذكر أَم أُنثى؟ فيكتبان، ويكتب عمله وأَثره ورزقه، ثم تطوى الصحف ولا يزاد فيها ولا ينقص )[2]

وفي حديث آخر، قال - صلى الله عليه وسلم -:( إِنَّ اللهَ وَكَّلَ بِالرَّحِمِ مَلَكاً فَيَقُولُ: أَى رَبِ نُطْفَة، أَى رَب عَلَقَة، أَى رَب مُضْغَة، فَإِذَا أَرَادَ اللهُ أَنْ يَقْضِى خَلْقاً قَالَ الْمَلَكُ: أَى رب ذكر أَو أُنثى؟ شقى أَو سعيد، فما الرزق، فما الأَجل؟ فيكتب ذلك فى بطن أُمِّه )[3]

قال: فهل يمكن لبشر أي كان أن يعلم العلوم التي علمها هذا الملك؟

قلت: لا، فقد قال تعالى:) اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثَى وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ( (الرعد:8)، وقالتعالى:) إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَداً وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ( (لقمان:34)

قال: فالملك ـ إذن ـ أعلم من الإنسان؟

قلت: في هذا المقام فقط.

قال: بل في كل مقام له علاقة بوظيفته، فالله تعالى إذا خلق خلقا أعطاه من العلوم ما يوفر له أسباب الهداية، كما قال تعالى على لسان موسى u:) رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى( (طـه: من الآية50)

قلت: هذا صحيح .. ولكنا يا معلم تهنا عن مقصدنا.

قال: بل لم نته عنه، نحن في لبابه.

قلت: كيف؟

قال: ألا نتحدث هنا عن العلم الذي هو باب من أبواب التدريب؟

قلت: بلى.

قال: أفتظن أنا نحتاج إلى تلقين جميع العلوم لمن ندربهم؟

قلت: ذلك أحسن.

قال: ولكن العمر لا يساعد عليه، والهمم لا تستطيع الوفاء به.

قلت: فما هي العلوم التي يحتاج إليها المتدرب.

قال: ما يفي بخدمة ما يتدرب عليه.

قلت: فاذكر لي تلك العلوم وأقسامها.

قال: أنتم أعلم بأمور دنياكم.

قلت: فمجامعها وأصولها.

قال: علمان لا بد من كليهما لكل تدريب، لولا معرفتي بتقصيركم في الجمع بينهما ما ذكرتهما.

قلت: ما هما؟

قال: الأصول النظرية لأي عمل، والتطبيقات العملية المرتبطة به.

قلت: فهل ترانا مقصرين في هذا؟

قال: لستم مقصرين في أفراد العلمين، ولكنكم مقصرون في الجمع بينهما، فأنتم إما أن تدرسوا علوما ترهقون فيها أنفسكم وأوقاتكم، ثم لا تجدون لها أي ثمرة واقعية، أو تتعاملون مع واقع وتطبيقات من غير أن تفهموا لها أصولا نظرية، والكمال في الجمع بينهما.

الأصول النظرية

قلت: فماذا تريد بالأصول النظرية؟

قال: سنن الله الكونية، فهي أصل الأصول النظرية، وأنتم تقصرون فيها تقصيرا عظيما.

قلت: كيف؟

قال: إن استغلال أي سنة من سنن الله قد يوصلكم إلى مراكز من الرقي لم تكونوا لتصلوا إليها بدون تلك السنة.

قلت: اضرب لي مثالا على ذلك.

قال: قوة البخار، لقد رأيتموها ورآها أجدادكم، فاكتفيتم بالنظر إليها، أو بمد أيديكم إليها لتشعروا ببعض الدفء.

قلت: وهل لها غير الدفء؟ 

قال: نعم .. لها قوى كثيرة .. رأى بعضها رجل فتح له في فهم قوة هذا الخلق، فاستعان به على تلك المراكب الحديثة، ثم بقي التطور يتبع بعضه بعضا إلى أن وصلتم إلى ما وصلتم إليه.

قلت: وكل ذلك بنظرة ثاقبة إلى سنة من سنن الله.

قال: وكل ذلك جزء من تلك النظرة، ألم تسمع قوله تعالى عن ذي القرنين:) إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَباً( (الكهف:84)، أتعلم ما السبب الذي أوتيه ذو القرنين؟

قلت: نحن لا نبحث عن الأسباب التي أو تيها ذو القرنين، بل نبحث عمن هو ذو القرنين؟

قال: وما يجديكم أن تعرفوا من هو؟

قلت: بالمناسبة، هل كان نبيا، وهل كان له قرنان، وكيف كان اسمه .. وهل حقا كان أحد ملوك اليمن، والسد الذي بناه هو سد مأرب، أو هو كورش الكبير الملك الاخميني، أم هو الاسكندر المقدوني، ولكنه لم يشتهر عليه أنه بنى أي سد .. أم هو ..!؟

قال: وما يجديك أن تعلم كل هذا؟ ألا يغنيك ما في كتاب الله؟

قلت: لقد ذكر الله قصته فشوقنا لمعرفته.

قال: شوقكم للحقائق التي تنطوي عليها قصته، أما هو فعبد من عباد الله، ويكفيكم ذلك.

قلت: ولكن البشر يحب الفضول.

قال: فليكن فضولكم فيما ينفعكم .. لقد سألتك عن الأسباب التي أوتيها ذو القرنين.

قلت: السبب في اللغة يعني الحبل المستخدم في تسلق النخيل, كما قال تعالى:) مَنْ كَانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ ثُمَّ لْيَقْطَعْ فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ مَا يَغِيظُ( (الحج:15)

قال: فهل كل ما أوتي ذو القرنين هو حبل؟

قلت: لعله حبل كعصا موسى u.

قال: أنتم تبالغون في البحث عن المعجزات لتفروا بها من علاج واقعكم، بحجة أنه ليس لديكم عصا كعصا موسى u، أو خاتم كخاتم سليمان u أو حبل ..

قلت: فما الأسباب إذن؟

قال: هي استعمال كل الوسائل الممكنة المرتبطة بأي إنجاز ..

قلت: مثل ماذا؟

قال: لكل شيء أسبابه الخاصة به، وسننه التي يدخل إليه منها، وفي القرآن الكريم إشارة إلى بعض ذلك.

قلت: أين؟

قال: في قصة ذي القرنين نفسها .. ألم يقل الله تعالى:) فَأَتْبَعَ سَبَباً( (الكهف:85) ولم يكتف بذلك بل كررها ثلاث مرات:) ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَباً( (الكهف:89)، وقال تعالى:) ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَباً( (الكهف:92)

قلت: فما فائدة هذا التكرير؟

قال: ليس هذا تكريرا، فلكل شيء سببه الخاص به وسنته التي ينطلق منها، ولا يمكن الدخول إليه إلا من بابها.

قلت: فهمت هذا، فهل في قصة ذي القرنين حكمة أخرى؟

قال: كلها حكم .. ما اللفظ الرابط بين هذه الآيات الثلاث التي وردت في قصة ذي القرنين، قوله تعالى:) حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ وَوَجَدَ عِنْدَهَا قَوْماً قُلْنَا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْناً( (الكهف:86)، وقوله تعالى:) حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَطْلُعُ عَلَى قَوْمٍ لَمْ نَجْعَلْ لَهُمْ مِنْ دُونِهَا سِتْراً( (الكهف:90)، وقوله تعالى:) حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ وَجَدَ مِنْ دُونِهِمَا قَوْماً لا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلاً( (الكهف:93)

قلت على البديهة: ( وجد ) .. إن هذه اللفظة هي اللفظة المتكررة في الآيات الثلاث.

قال: أتعلم ما الحكمة من تكريرها؟

قلت: لا.

قال: متى تقول عن شخص:( إنه وجد شيئا )؟

قلت: عندما يبحث عنه، أو يكون له اهتمام به.

قال: فذو القرنين لم يكن ـ كما تتصورون ـ رجل حرب يبحث عن توسيع امبراطوريته، بل كان رجلا بحاثة عالما يبحث في الأرض، ليكتشف قوانين الله وسننه فيها.

قلت: هذه دعوى تحتاج إلى دليل، فما ذكرته لا يكاد يكفي.

قال: لقد ذكر الله تعالى ما وجده ذو القرنين في الغرب والمشرق وبين السدين.

قلت: لقد قال تعالى في المغرب:) حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ وَوَجَدَ عِنْدَهَا قَوْماً ( (الكهف:86 )، وقال عن المشرق:) حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَطْلُعُ عَلَى قَوْمٍ لَمْ نَجْعَلْ لَهُمْ مِنْ دُونِهَا سِتْراً( (الكهف:90 )،وقال عن المكان الذي بين السدين:) حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ وَجَدَ مِنْ دُونِهِمَا قَوْماً لا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلاً (  (الكهف:93 ) 

قال: فتأمل في جوامع الأشياء التي وجدها.

قلت: هناك التضاريس، وما يرتبط بها من مناخ، وهناك الشعوب وما يرتبط بها من طباع.

قال: والعلاقة الرابطة بين الشعوب والتضاريس والمناخ ..

قلت: نعم كل ذلك يظهر جليا في قصة ذي القرنين .. لكأني بها تتحدث عن اكتشافات جغرافية لا عن محارب يقود جيشا.

قال: بل كان أكثر من مجرد كشافة .. كان عالما مصلحا، ألم يلجأ إليه الأقوام الساكنين بين السدين؟

قلت: لا أزال أتعجب من علمه بلغتهم، فقد قال تعالى:) لا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلاً(

قال: وهذا يصب فيما ذكرنا من اجتهاده العقلي وبحثه عن سنن الله للتعرف على أسرارها واتباعها .. سألتك عن لجوء أولئك الذين لا يكادون يفقهون قولا إليه.

قلت: نعم لجأوا إليه ليحميهم من يأجوج ومأ جوج .. بالمناسبة من هم؟

قال: دعك من هذا، فإنه جدل، وقد اشترطت عليك ألا تجادلني.

قلت:) لا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ وَلا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْراً( (الكهف: من الآية73) .. نعم لقد نص القرآن الكريم على قصة طلبهم من ذي القرنين الحماية، فقال تعالى:) قَالُوا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجاً عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدّاً قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْماً آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ قَالَ انْفُخُوا حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ نَاراً قَالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْراً فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْباً( (الكهف:94 ـ 97)

قال: ألا يدلك هذا على أبعاد أخرى في شخصية ذي القرنين؟

قلت: نعم إنه مهندس عظيم، عرف كيف يخطط لبناء هذا السد، وكيف يحمي أولئك القوم من شر المعتدين.

قال: بماذا فعل ذلك؟

قلت: بما أوتيه من علم الأسباب.

قال: فذاك ما سميناه بالأصول النظرية، فلا يمكن لأي عمل أن يقام إلا بتلك الأصول، وهي في مجموعها تعود إلى سنن الله التي أمرنا بالنظر إليها والتعبد بتسخيرها.

التطبيقات العملية

قلت: فماذا تريد بالتطبيقات العملية؟

قال: لو أن ذا القرنين اكتفى بما عرفه نظريا،ولم يستقد منه عمليا أكان في إمكانه أن يبني ذلك السد؟

قلت: لا .. بل يحتاج إلى المزج بين الأمرين، فالنظر يحتاج إلى التطبيق، كما أن التطبيق يحتاج إلى النظر.

قال: فلذلك لا يمكن للتدريب أن يؤتي أكله إلا إذا مزج بين الأمرين.

قلت: هذه حقيقة، ونحن بحمد الله نطبقها، فقد أسسنا مراكز كثيرة للتدريب على المهارات المختلفة.

قال: لا، بل تقصرون فيها تقصيرا عظيما.

قلت: كيف؟

قال: أنتم تقصرون التدريب على بعض الحرف، وعلى بعض ما تحتاجه الحرف، ثم تقصرون كل ذلك على فئات محدودة.

قلت: فهل تقترح حلولا؟

قال: أنا لا أقترح .. فأنتم أعلم بأمور دنياكم، ولكني أؤصل الحقائق التي عن طريقها تقترحون ما ترونه مناسبا.

قلت: فما هي أصول الحقائق في هذا؟

قال: إشاعة التعليم وشموليته وتبسيطه ومجانيته.

قلت: هي أربعة أصول إذن.

قال: وكلها مما ورد في النصوص الأمر به.

قلت: فهل سنفصل الكلام عليها هنا؟

قال: لا، هذا محله رسالة أخرى من رسائل السلام.

قلت: فاشرح لي مرادك منها هنا، وعلاقتها بالتدريب.

الإشاعة:

قال: أما الإشاعة، فالعلم لا ينبغي أن يحصر في فئة محدودة من الناس، بل يترك لكل راغب.

قلت: ونحن نفعل ذلك.

قال: لا .. أنتم تعقدون الأمور كثيرا.

قلت: بل نيسرها، ولكن قل الراغبون.

قال: فهل تأذنون للشيخ الكبير في دخول المدارس.

قلت: نحن نشترط سنا معينة للدراسة.

قال: وليس ذلك من الإشاعة .. فالعلم من المهد إلى اللحد، ألم تقرأ قول أحمد، وقد دخل إلى السوق ومعه المحبرة،  وقد كان شيخا، فقيل له:( لا تزال تحمل المحبرة؟) ن فقال:( مع المحبرة إلى المقبرة )، أي لا نزال نواصل العلم إلى الموت.

قلت: بلى فقد قرأت في ترجمة العالم الفلكي الرياضي، والمؤرخ اللغوي الأديب، والعالم بالشريعة ومقارنة الأديان أبى الريحان البيروني[4] أنه مات وهو يتعلم مسألة في الفرائض.

فقد حدث أبو الحسن على بن عيسى الولوالجي قال: دخلت على أبى الريحان وهو يجود بنفسه، قد حشرج نفسه، وضاق به صدره – فقد بلغ من العمر 78 سنة – فقال لي في تلك الحال: كيف قلت لي يوماً: حساب الجدات الفاسدة – وهى التي تكون من قبل الأم -؟

فقلت له إشفاقاً عليه: أفي هذه الحالة؟ قال لي: يا هذا ‍‍ أودّع الدنيا وأنا عالم بهذه المسألة، ألا يكون خيراً من أن أخليها وأنا جاهل بها، فأعدت ذلك عليه، وحفظ.

فلما خرجت من عنده .. وأنا في الطريق .. سمعت الصراخ.

قال: أفكان العلماء يتقاعدون عن طلب العلم أو تعليمه كما تفعلون اليوم؟

قلت: لا، بل إن نشاطهم يزداد في أواخر أعمارهم.

قال: وذلك لما اكتسبوه من خبرة بعد أن صقلتهم الأيام.

قلت: وأرى أن تباشير شمس الاستفادة من الشيوخ بدأت تطل علينا، فقد أثبتت الدراسات التي جرت في نقاط متعددة من العالم أن الأفراد في السنين الأولى المشرفة على الشيخوخة إذا كانوا مستعدين لمرحلة الشيخوخة يمكنهم أن يظلوا إلى سنين مديدة من المسنين الشباب، بل نشطين منتجين، وهذا ما أدركته الأقطار المتقدمة وخططت له مما منحها نتائج جيدة.

وقد أكد المؤتمر الدولي في فينا عام 1988 على قواعد المشروع العملي المتعلق بالمسنين على أن هدف التنمية هو تحسين رفاه وسلامة كل المجتمع على أساس المشاركة الكاملة في مسيرة التنمية والتوزيع العادل للنتائج الحاصلة، وأن على مسيرة التنمية أن تعمل على رفع مقام الأفراد وتحقيق المساواة من خلال توزيع المصادر والحقوق والمسؤوليات الاجتماعية بين كل الفئات من شتى الأعمار.

وقد قدم المؤتمر الدولي الذي انعقد في مكسيكوستي عام 1984 توصية بضرورة قيام الدول بالاهتمام بالمسنين، لا باعتبارهم فئةً تبعية تلقي بثقلها على المجتمع بل باعتبارهم مجموعات قدمت معونات كبرى إلى الحياة الاقتصادية والتربوية والاجتماعية والثقافية لعوائلها وما زالت تستطيع أن تقدم ذلك.

وهذا ما كرره المؤتمر الآسيوي الرابع الذي انعقد في جزيرة بالي عام 1992م ومؤكداً أن سياسة التأهيل في جميع سني العمر لمرحلة الشيخوخة هي وسيلة للوصول إلى هذا الهدف، ومع الإذعان بأنه في أكثر الموارد تقوم العوائل برعاية المسنين فقد أوصى الدول بتوفير امتيازات اقتصادية كالإعفاء من الضرائب لمثل هذه العوائل.

أما المؤتمر الدولي للسكان والتنمية الذي انعقد في القاهرة عام 1994 ونال شهرةً واسعة، فقد ركز في البند (ج) من الفصل السادس للنمو السكاني أن على الدول أن تستهدف مسألة تعزيز الاعتماد على الذات لدى المسنين وتعزيز نوعية الحياة بتمكينهم من العمل والعيش بصورة مستقلة لأطول وقت ممكن، ووضع نظم للرعاية الصحية علاوة على نظم للضمان الاقتصادي والاجتماعي عند الشيخوخة حسب الاقتضاء، مع إيلاء اهتمام خاص بالمرأة (لكونها تعمر أكثر من الرجل ـ في معظم المجتمعات ـ ولذلك فإنها تشكل الأغلبية من المسنين وهي في الغالب ضعيفة للغاية فتستحق العناية الأكبر)، ووضع نظام للدعم الاجتماعي على الصعيد الرسمي وغير الرسمي بغية تعزيز قدرة الأسرة على رعاية كبار السن داخل الأسرة.

وأكد ضرورة أن تكفل الحكومات تهيئة الظروف اللازمة لتمكين المسنين من أن يعيشوا حياة صحيحة ومنتجة يحددونها بأنفسهم، واستغلال مهاراتهم وقدراتهم التي اكتسبوها في حياتهم استغلالاً كاملاً بما يعود بالفائدة على المجتمع، وينبغي أن تحظى المساهمة القيمة التي يقدمها كبار السن للأسرة والمجتمع ـ وخاصة كمتطوعين ومقدمين للرعاية ـ بالاعتراف والتشجيع ودعا إلى تعزيز نظم الدعم وشبكات الأمان الرسمية وغير الرسمية والقضاء على كل أشكال العنف والتمييز ضدهم مع التركيز على المسنات.

أما المؤتمر الذي عقده قادة الدول في مجال (التنمية الاجتماعية) عام 1995 في كوبنهاجن فقد أوصى الدول ببذل مساعي خاصة في حماية المسنين وخصوصاً المعوقين منهم من خلال تقوية نظام الحماية العائلية وتحسين مكانتهم الاجتماعية وضمان وصولهم إلى الخدمات الأساسية الاجتماعية، وضمان الأمن المالي وإيجاد الجو الاقتصادي المساعد لتأمين صناديق التوفير لمرحلة الشيخوخة.

أما مؤتمر ..

قاطعني، وقال: أنت تتحدث عن المؤتمرات بثقة عظيمة،وكأن بيدها الحل.

قلت: لقد كان - صلى الله عليه وسلم - يحب التفاؤل.

قال: ولكنه لا يحب الأماني.

ثم استغرق لحظة ينظر إلى الأفق البعيد، وكأنه يخاطب العالم، ثم قال:( الحق أقول لك أيتها الشعوب: لا خير يأتيك من تلك الأبراج العاجية )

قلت: فإن لم يأت منها الخير، فمن أين يأتي؟

قال: من الشوارع والطرقات، وتلك المساكن الضيقة التي تفوح منها روائح الجوع.

قلت: متى وكيف؟

قال: إذا عرفت كيف تستثمر الكنوز التي تختزنها.

قلت: فهل تقصد بإشاعة العلم إشاعته للشيوخ فقط؟

قال: لا .. العلم من المهد إلى اللحد .. للمرأة والرجل .. للفقير والغني في المدارس والمستشفيات والأسواق .. في وسائل الإعلام، وفي الملاعب والطرقات .. في كل مكان.

الشمولية:

قلت: فما تريد بالشمولية؟

قال: أنتم تدربون على بعض الصناعات فقط؟

قلت: أجل .. لأن بعضها يكاد يكون من العلم المكتوم.

قال: تقصد من أسرار المهنة.

قلت: نعم، لأن في إشاعته إضرارا بالحرفيين.

قال: تخطئون عندما تتصورون ذلك، وتفعلون ذلك، فليس في العلم كما في الدين أسرار .. ولكنه الجشع والحرص والخوف الذي يمتلك قلوبكم.

قلت: فما الحل الذي تراه لتحقيق شمولية العلم.

قال: نشر العلوم .. كل العلوم .. فالتجارة تحتاج إلى التدريب مثلها مثل الصناعة، والحكيم هو الذي ينقل خبرته لغيره، ولا يترك غيره يتخبط بحجة حرصه على مصالحه.

قلت: أتذكر لي دليلا على هذا، فأنت تعلم غرامي بالأدلة.

قال: لقد مر معنا في ( ابتسامة الأنين ) ما يسمى بـ ( رقية النملة[5] )

قلت: تقصد ما روي عن الشِّفَاء بنت عبد الله ـ رضي الله عنها ـ  قالت: دخل علىَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأنا عِند حَفْصَة، فقال:( ألا تُعَلِّمينَ هذه رُقية النَّمْلةِ كما عَلَّمْتِيها الكتابةَ )[6]

قال: نعم، ففيها الدليل.

قلت: فما وجهه، فلا أرى له وجها.

قال: كان هذا العلم نوعا من العلم النادر، فلذلك أمرها - صلى الله عليه وسلم - أن تنشره، ولو كان ذلك في عصركم لاعتبرتموه من سر المهنة الذي لا يشاع حتى يبقى الناس جميعا تبعا لصاحبه.

قلت: وقد ورد ما يدل على هذا، فقد روى الخَلاَّل: أنَّ الشِّفَاء بنتَ عبد الله كانت تَرقى فى الجاهلية من النَّمْلَة، فلمَّا هاجرت إلى النبىِّ - صلى الله عليه وسلم - وكانت قد بايعته بمكة، قالت: يا رسول الله ؛ إنِّى كنت أرقى فى الجاهلية من النَّمْلَة، وإنى أُريدُ أن أعْرِضَهَا عليكَ، فعرضت عليه فقالت: بسم اللهِ ضَلَّت حتى تعود مِن أفواهها، ولا تَضُرُّ أحداً، اللَّهُمَّ اكشف البأسَ ربَّ الناسِ، قال: ترقى بِهَا عَلَى عُودٍ سبعَ مَرات، وتقصِدُ مَكاناً نظيفاً، وَتَدْلُكُهُ على حجر بخَلِّ خَمرٍ حاذق، وتَطْلِيه على النَّمْلَةِ )

التبسيط:

قلت: فما تريد بالتبسيط؟

قال: أنتم تعقدون العلوم.

قلت: ولكن العلوم تأبى إلا أن تعقد.

قال: وأين نور البصيرة الذي وهبه الله لكم؟

قلت: نور البصيرة نكتشف به العلوم، ونفهمها به.

قال: فمن فهمها منكم يمكنه أن يبسطها لمن لم يفهمها.

قلت: قد يتحقق ذلك بجهد.

قال: فذلك الجهد واجب، ألا ترى إلى علماء أمتك كيف نشروا العلم وبسطوه حتى علمه الخاصة والعامة.

قلت: بلى، فإني أقرأ ما كتبوا فأجد له لذة، وأجدني أستوعبه بسهولة ويسر، ولكن العلوم في هذ العصر تعقدت كثيرا.

قال: ألا ترى الكتاب الذي شرفكم الله به، فمع أنه يحوي دقائق العلوم ومجامعها إلا أنه يعبر عنها جميعا بسهولة ويسر وجمال.

قلت: بلى، فقد قال تعالى في كتابه:) وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ( (القمر:17) .. ولكن هذا كلام الله.

قال: ألم يأمرنا الله برفع الهمة والترقي للتشبه بكمالات الله.

قلت: بلى، لقد عرفنا أدلة ذلك في مواضع مختلفة.

قال: فتشبهوا بالله في التيسير والتبسيط، أليست كل صناعاتكم التي تفخرون بها تقليدا لمخلوقات الله؟

قلت: بلى، والقرآن الكريم يدل على ذلك، فقد قال تعالى:) فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَاباً يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْءَةَ أَخِيهِ قَالَ يَا وَيْلَتَى أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْءَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ( (المائدة:31)

.. ولكن كيف نبسط العلم ونيسرها؟

قال: ألم أقل لك بأنكم أعلم بأمور دنياكم؟

قلت: بلى، ولكنك تعلم ما نحن فيه، فدلنا على ما تراه من وسائل التبسيط؟

قال: أنتم تسرفون في اللهو وتستعملون وسائل الإعلام لتغذية هذا اللهو، فاجعلوا من لهوكم علما؟

قلت: كيف؟

قال: انشروا العلم وبسطوه وأشيعوه عن طريق ما نتتج وسائل إعلامكم من برامج.

قلت: نحن نفعل بعض هذا.

قال: ألا تعلم أنك لن تتعلم العلم حتى تهبه كلك!؟

قلت: بلى .. ولكن الهمم كما تعلم .. 

قال: ابدأوا فقط، أما الهمم فلها رب يتولاها، ألم يأمرنا الله بالاستعداد على حسب ما في وسعنا، فقال تعالى:) وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ ( (لأنفال: من الآية60)؟

قلت: بلى ..

قال: اربطوا العلم بالله، وحينذاك سيرتبط العلم بالإيمان، وحينذاك يهب عليه من نسيم الإيمان ما ينشرح له الصدر، ويعيه العقل .. ألم تسمع قوله تعالى:) وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالْأِيمَانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِلَى يَوْمِ الْبَعْثِ فَهَذَا يَوْمُ الْبَعْثِ وَلَكِنَّكُمْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ( (الروم:56)

فالعلم لا يفهمه على حقيقته إلا من أوتي الإيمان.

قلت: فاضرب لي على ذلك مثالا.

قال: سيضربه لك الإمام بديع الزمان منطلقا من قوله تعالى:) وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجاً( (نوح: من الآية16)

فجأة ظهر بديع الزمان، وهو يقول:( في تعبير السراج تصوير العالم بصورة قصر، وتصوير الأشياء الموجودة فيه في صورة لوازم ذلك القصر، ومزيّناته، ومطعوماته لسكان القصر ومسافريه، وإحساسٌ أنه قد أحضَرتها لضيوفه وخدّامه يدُ كريمٍ رحيم. وما الشمسُ إلاّ مأمور مسخَّر وسراج منوَّر، ففي تعبير السراج تنبيه الى رحمة الخالق في عظمة ربوبيته، وافهامُ إحسانه في سعة رحمته، واحساسُ كرمه في عظمة سلطنته.

فالآن استمع ماذا يقول الفلسفي الثرثار في الشمس. يقول:( هي كتلة عظيمة من المائع الناري تدور حول نفسها في مستقرها، تطايرت منها شرارات وهي أرضنا وسيارات أخرى فتدور هذه الاجرام العظيمة المختلفة في الجسامة.. ضخامتها كذا.. ماهيتها كذا.. ) 

فانظر ماذا أفادتك هذه المسألة غيرَ الحيرة المدهشة والدهشة الموحشة، فلم تُفِدْك كمالاً علمياً ولا ذوقاً روحياً ولا غاية إنسانية ولا فائدة دينية.

فقس على هذا لتقدّر قيمة المسائل الفلسفية التي ظاهرُها مزخرفة وباطنُها جهالة فارغة .. فلا يغرّنك تشعشع ظاهرها وتُعرِض عن بيان القرآن المعجز )

المجانية:

قال لي: أنتم تتاجرون بالعلم وتبيعونه.

قلت: نحن نبيع كل شيء، فكيف لا نبيع العلم؟ .. ولكن ما الحرج في ذلك؟..

قال: العلم لا يباع، بل ينشر .. بل يرغب في التعلم، ولا يحتكر، ألم تر الرسل، وهم ينشرون العلم متبرئين من كل أجر، قال تعالى على لسان نبيه نوح u:) فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَمَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ( (يونس:72)

 وقال تعالى على لسان كثير من أنبيائه ـ عليهم الصلاة والسلام ـ:) وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ( (الشعراء:109)

وقال تعالى على مخبرا عن رسوله الخاتم - صلى الله عليه وسلم -:) وَمَا تَسْأَلُهُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ( (يوسف:104)، وقالتعالى:) قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِلَّا مَنْ شَاءَ أَنْ يَتَّخِذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلاً( (الفرقان:57)

قلت: ولكن هؤلاء أنبياء؟

قال: وهل أمرنا بالاقتداء بغير الأنبياء ـ عليهم الصلاة والسلام ـ ألم يجمع الله بين الأمر بالاقتداء بهم وتبرئهم من الأجور، فقال تعالى:) أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ( (الأنعام:90)!؟

قلت: ولكن لو لم يبع العلماء علمهم لماتوا جوعا.

قال: ألم أخبرك أنه لم يمت أحد من الناس جوعا .. ولكن الحرص والشره والفراغ الذي يعانونه هو الذي يجعلهم يبيعون العلم ويغالون في بيعه، ولو فقهوا عن الله لباعوا علمهم لله.

قلت: كيف .. أالله العليم يشتري العلم؟

قال: كما يشتري الصدقات .. فهو يتقبلها ويجزل الثواب لأهلها.

قلت: فما تعني، أو ما تنصح؟

قال: أنصح هؤلاء العلماء ومن سواهم بأن يعلموا بأن جزاء العلم هو عند الله لا عند البشر، فليقنعوا بما عند الله من الأجور.

قلت: لقد رأيت ناسا من أهل العلم لا يتحركون إلا بمبالغ طائلة تغريهم، ولا ينشرون كتبهم إلا بحقوق عظيمة يطالبون بها.

قال: فهؤلاء لا يختلفون عن الذين يكتمون العلم، ألم يقل الله تعالى:) إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ( (البقرة:159)؟

قلت: ولكن هؤلاء لا يكتمونه، بل يطلبون عليه أثمانا.

قال: وما الفرق بينهما، إن علمهم سيبقى مكتوما عن الذين لا يملكون.. ثم .. ألم تسمع قوله تعالى:) إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً أُولَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ( (البقرة:174)

قلت: بلى.

قال: فاقرأ هذه الآية عليهم، فقد جمع الله بين كتمان العلم وبيعه ليبين العلاقة بينهما، والتي تعيشونها في واقعكم.

قلت: ولكنهم سيقولون ..

قاطعني، وقال: أعلم أنهم سيظلون يجادلون.

2 ـ الإتقان

اقتربت من الباب الثاني من أبواب التدريب، وقد علقت عليه لافتة في منتهى الجمال مكتوب عليها:( إن الله تعالى يحب إذا عمل أحدكم عملا أن يتقنه )[7]

فسألت المعلم عنه، فقال: هذا باب الإتقان، وهو الباب الثاني من أبواب التدريب.

قلت للمعلم: نعم، هذا باب مهم جدا، فنحن في عصرنا نشكو كثيرا من أضرار التفريط في الإتقان، فحسب أكثر العمال عندنا أن ينهوا أشغالهم دون اهتمام بمدى إتقانهم لأعمالهم.

ثم استطردت: وهذا هو الذي يجرهم في أحيان كثيرة إلى الفقر، فالعامل عندنا إذا اشتهر بعدم إتقانه لم يطلبه أحد، وذلك طريق لفقره .. فما سر عدم الإتقان يا معلم؟

قال: سره هو الخواء الذي تعيشونه في نفوسكم، فهو الذي جعلكم تنظرون إلى الكم، ولا تنظرون إلى الكيف، وتهتمون بالكثرة ولا تهتمون بالنوعية.

قلت: فما علاجه؟

قال: الإيمان.

ابتسمت، وقلت: حسبتك ستذكر الرقابة التي تهتم بالبحث عن مدى الجودة لتقر بعدها العمل أو ترفضه.

قال: ولكني لم أنكر الرقابة، وهي من مقتضيات الإيمان، بل هي جزء من آثار الإيمان.

قلت: رقابة الشرطة .. لا أظن أن لها علاقة بالإيمان؟

قال: وما علاقتنا بالشرطة، نحن الآن نتعلم السلام، والذي يتعلم السلام لا يعرف الشرطي ولا الجندي ولا أي قوة من القوى، ولا يحتاج لها.

قلت: فرقابة من إذن؟

قال: رقابة الله، فإنها إذا حلت في القلب لم يحتج الخلق إلى أي رقابة أخرى .. هل تتصور أن في الجنة شرطة؟

قلت: هذا مستحيل، فهي دار السلام.

قال: فكذلك المؤمنون الذين يعيشون في جنة الدنيا لا يحتاجون إلى هؤلاء الشرطة.

قلت: فالرقابة إذن هي السبيل الوحيد لتحقيق الإتقان؟

قال: لا، بل هي جزء من ذلك السبيل، أو هي المرتبة الأخيرة منه.

قلت: فهل هناك مراتب أخرى؟

قال: أجل، هناك التشبه، والقدوة، والجزاء، ثم تأتي بعدها الرقابة.

قلت: فهي إذن أربع.

قال: نعم أربعة معان إيمانية من تحقق بها رزقه الله الإتقان، وجعله خلقا من أخلاقه لا يتكلف فيه ولا يتصنع.

التشبه

قلت: فبمن يكون التشبه، أبدول العالم المتطور التي تحرص على إتقان أعمالها؟

قال: لا .. المؤمن لا يرى إلا الواحد.

قلت: تقصد القطب الواحد، فنحن الآن محكومون بقطب واحد؟

قال: أقصد القطب الواحد الذي يتوجه له الكل .. السموات والأرض والعرش والفرش .. والذرة والمجرة ..

قلت: تقصد الله؟

قال: وهل هناك غيره، فالله هو خالق الخلق وأعمالهم، كما قال تعالى:) وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ( (الصافات:96)

قلت: فكيف نتشبه به؟

قال: ألم يقل الله تعالى:) الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقاً مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ  ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئاً وَهُوَ حَسِيرٌ( (الملك:3 ـ 4)

قلت: بلى، فهذه الآية تخبر عن مدى الإتقان الذي صمم به خلق السموات والأرض، فلا ترى فيها أي فطور.

قال: بل إن الله تعالى يأمرنا بإعادة النظر والتحقق للتأكد من سلامة خلق الله من أي عيب.

قلت: وكأنه بذلك يدلنا على الطريقة التي نكتشف بها عيوب أعمالنا، فلا نكتفي بالنظرة البدائية البسيطة التي قد تكتفي بالانبهار، بل يدلنا على النظرة النقدية المحققة.

قال: وهو يدلنا كذلك على عرض أعمالنا على غيرنا، لأنا قد لا نرى من عيوب أعمالنا ما يراه غيرنا.

قلت: فالله يؤدينا ـ إذن ـ بهذه الآيات.

قال: نعم، هو يؤدينا كما يؤدب أحدنا ولده عندما يقف أمامه المواقف المختلفة ليبين له كيف يتصرف التصرف السليم.

قلت: ولهذا إذن قالت عائشة ـ رضي الله عنها ـ عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:( كان خلقه القرآن )[8]

قال: أجل، فالله تعالى يربينا بأوصافه كما يربينا بأوامره .. ولهذا، فإنه عندما يقول على لسان إلياس u:) أَتَدْعُونَ بَعْلاً وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ الْخَالِقِينَ( (الصافات:125)، أو عندما يقول:) الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الْأِنْسَانِ مِنْ طِينٍ( (السجدة:7)، فإنه في الحقيقة يقول لنا:( ربكم أحسن الخالقين، فكونوا أنتم أحسن العاملين )

قلت: فاضرب لي أمثلة من القرآن الكريم، وبين لي كيفية سماعها والاستجابة لها.

قال: سنذكر أربعة أمثلة قرآنية لها علاقة كبرى بحياتنا.

الإنسان:

قلت: فما المثال الأول؟

قال: الإنسان.

قلت: كيف؟

قال: ألم يأمر الله الإنسان بالنظر إلى نفسه، والاعتبار به؟

قلت: بلى، فقد قال تعالى:) فَلْيَنْظُرِ الْأِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ( (الطارق:5)، وقالتعالى: ) وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ( (الذريات:21) 

قال: فقد ذكر الله تعالى إتقانه لخلق الإنسان فقال تعالى:) لَقَدْ خَلَقْنَا الْأِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ( (التين:4)

وذكر إتقانه صورة الإنسان، فقال تعالى:) خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ( (التغابن:3)، وقالتعالى:) اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ قَرَاراً وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَتَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ( (غافر:64)

قلت: لقد أثبت العلم الحديث كل هذه المعاني إثباتا دقيقا، فجسم الإنسان في غاية الحسن والقوة.

ومن أمثلة ذلك ما ذكره الخبراء من أن جسم الإنسان يحوي، علاوة على المواد الكيماوية المعقدة و المختلفة الأنواع، ميكروبات وجراثيم وبكتريا، إذا زاد عدد النوع النوع منها عما هو مقدر لها، أو قل عمل تنوع آخر، أو اختلفت لسبب ما نسبة هذه الأحياء بعضها لبعض، لهلك الجسم.

وهذه الأحياء تفرز افرازات، وتقوم بنفسها بتحويل الغذاء العسر إلى يسر، و الصعب إلى سهل، و المعقد إلى بسيط و الضار إلى نافع، والكيماوي إلى دم.

ولتعرف ماهية هذه الأحياء يكفي أن تعلم أن العلماء قد قدروا عدد الموجود منها بالمعدة بحوالي مائة ألف في السنتيمتر المكعب الواحد.

ومن عجائب الصنع الإلهي ذلك التحول الذي تقوم به الأجهزة لملاقات نقص وجد، أو لتكملة ضعف طرأ على أحدها، فقد دلت التجارب التي أجريت، و المشاهدات التي درست، على أنه إذا استؤصلت كلية من الجسم مثلاً ترتب على ذلك تضخم الأخرى، لإمكان قيامها بعمل الكيتين، دون أن يكون للإنسان دخل في ذلك .. ومثل ذلك إذا بتر نصف الغدة الدرقية زاد حجم النصف الثاني، و إذا أصاب القلب مرض في صمامه قلل من قدرته، عمل على أن يزيد سمك جدرانه شيئاً فشيئاً لتقوى عضلاته على دفع الأذى، وكثيرا ما يلاحظ أن القلب في محاولة إصلاح خلله يأخذ  حجمه في الكبر حتى يصبح أربعة أضعاف ما هو عليه.

وفي ذلك يقول الدكتور رتشارد كابوت والدكتور راسل ركس في مؤلف لهما:( إن لأعضاء الجسم قوة مدخرة يستمد منها عند الحاجة، فالمريض بالسل الذي أصيب في بقعة من الرئة ن يجد في جسمه أنسجة من الرئة تزيد عن حاجته، يستطيع أن يعتمد عليها في مده بأسباب الحياة )

وقد ظل الدكتور ترودو أربعين عاماً عاكفاً على علمه المتواصل المرهق، وليس له الا جزء من رئة واحدة.

ودلت التجارب على أن بالجسم أجزاء احتياطية يمكن الاستغناء عن جزء منها عند إصابتها بمرض، فقد يقطع من أمعاء الإنسان متر من الأمتار السبعة والنصف الموجودة بجسمه دون أن يحس بفقده ..كذلك أمكن بتر أجزاء متعددة في مختلف أجهزة الجسم دون أن يؤثر على حياة الإنسان.

ومن أغرب ما حدث في هذا الشأن ما أعلنه الدكتور آرون سميث في المؤتمر الدولي لعلماء النفس المنعقد في موسكو أوائل شهر أغسطس 1966 عن رجل أمريكي أزيل نصف مخه بعملية جراحية، وما زال يستطيع المشي والكلام و الغناء، بل والقيام بمسائل حسابية كما كان قبل الجراحة ..

ولجسم الإنسان قدرة على التشكل لملائمة ظروف طارئة، فعندما يشرف الحمل على غايته، تتدفق السوائل من مختلف الأجهزة إلى أنسجة المهبل لتصبح أنسجته رخوة مطاطة، و تساعد بذلك على مرور الجنين، وتجعل نزوله ممكنا .. فأين كانت هذه السوائل؟ و ما هي الافرازات التي كانت تفرز قبل هذه السوائل؟ و هل يتم ذلك عفوا و هل وجد كل ذلك  مصادفة .؟ .. إنها قدرة كائنة في الإنسان لابد فيها له .

قال: ولذلك يمن على الإنسان بأنه صوره فعدله، كما قال تعالى:) يَا أَيُّهَا الْأِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ( (الانفطار:7 ـ 8)

قلت: لماذا لم يمن عليه بالخلق وحده؟

قال: لأن الخلق وحده كالعمل قد يكون خيرا، وقد يكون شرا، ولكن إتقانه وتحسينه هو الذي ينقله إلى الخيرية.

الحديث:

قلت: فما المثال الثاني؟

قال: الحديث الحسن، فحديث الله تعالى لا يختلف عن خلقه في الحسن.

قلت: لقد قال الله تعالى يخبر بأنه نزل أحسن الحديث:) اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَاباً مُتَشَابِهاً مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ( (الزمر:23)

قال: وهذا يدعونا إلى أن نلتمس كل الأساليب المؤثرة الحسنة التي تغير من نفوس من نخاطبهم.

قلت: كيف؟

قال: ألا تعلم أن الكلام قد يكون حقا، ولكن قولنا له وطريقة إلقائنا تحوله شرا، ولهذا ورد في القرآن الكريم ذكر الحسن مرتبطا بالقول في مجال الدعوة، فقال تعالى:) وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ( (فصلت:33)، وقالتعالى:) الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ( (الزمر:18)

بل إن الله تعالى لم يأمر بالحسن فقط عند المجادلة، بل أمر بالأحسن، فقال تعالى:) ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ( (النحل: من الآية125)

قلت: هذه مسألة خطيرة، فنحن نعرض الإسلام بصورة مشوهة، ثم نتأسف على انصراف الناس عنه.

قال: وتحكمون عليهم بالضلال، ولا تحكمون على أنفسكم بالإضلال.

قلت: ولكن منا الشعراء والقصاصون ..

قال: تركتموها لغيركم يعبث فيها، ويملؤوها بالمجون، واكتفيتم بعرض الإسلام وحقائق الإسلام بجفاء وغلظة وجفاف يفسد أكثر مما يصلح، ويبعد أكثر مما يقرب.

قلت: فما الطريق؟

قال: هو ذا القرآن الكريم أمامكم، أليس هو الكتاب الهداية الأبدية الشاملة!؟

قلت: ولكن القرآن الكريم جاء ليهدينا، لا ليعلمنا كيف نتكلم.

قال: القرآن الكريم جاء لكل شيء، ولكن الشأن أن تفهموه، وترتقوا للاستفادة منه.

قلت: فاشرح لي ذلك.

قال: لذلك محله من هذه الرسائل، فاصبر، فالعلم لا ينال بالعجلة.

قلت: ولكنك تظل تشوقني إلى المعاني الجميلة، ثم تتركني حائرا.

قال: الشوق هو بداية التعلم، ومن لم يشتق إلى العلم كما يشتاق الخليل إلى خليله لم يتعلم.

قلت: أجل، فقد ذكرتني بحديث لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيه إشارة إلى هذا المعنى، فعن أبي هريرة t قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوم خيبر:( لأعطين الراية غدا رجلا يحب الله ورسوله يفتح الله على يديه )[9]

فقد كان بإمكانه - صلى الله عليه وسلم - أن يستدعي من يريد إعطاءه الراية من غير أن يشوقهم إليه، حتى أن عمر t قال لما سمع ذلك:( فما أحببت الإمارة قط إلا يومئذ فتشوقت لها رجاء أن أدعى لها )

فدعا - صلى الله عليه وسلم - عليا فبعثه وأعطاه الراية وقال: اذهب فقاتل حتى يفتح الله على يديك ولا تلتفت، فسار علي بالناس، ثم وقف ولم يلتفت فقال: يا رسول الله على ما أقاتل الناس؟ قال: قاتلهم حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، فإذا قالوا ذلك منعوا منك دماءهم وأموالهم إلا بحقها، وحسابهم على الله عز وجل.

قال: الأمثلة على ذلك كثيرة، والسنة طافحة بذلك، فيمكنكم استثمارها كاستثمار القرآن الكريم والاستفادة منها في تحسين كلامكم، ألم يقل رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:( ألا إني أوتيت الكتاب ومثله معه )[10]

الرزق:

قلت: فما المثال الثالث؟

قال: الرزق الحسن، ألم يأمر الله تعالى بالنظر في رزقه، فقال تعالى:) فَلْيَنْظُرِ الْأِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ( (عبس:24)، وقالتعالى:) وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِراً نُخْرِجُ مِنْهُ حَبّاً مُتَرَاكِباً وَمِنَ النَّخْلِ مِنْ طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ وَجَنَّاتٍ مِنْ أَعْنَابٍ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهاً وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ انْظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ إِنَّ فِي ذَلِكُمْ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ( (الأنعام:99)

قلت: بلى، فقد وصف الله تعالى رزقه بالحسن، فقال تعالى:) وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ قُتِلُوا أَوْ مَاتُوا لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللَّهُ رِزْقاً حَسَناً وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ( (الحج:58)

قال: لتعرف مدى ما يحمله رزق الله من الحسن قارن بين أرزاق الله التي تحملها سنابل القمح وحبات الثمر وأعشاب الأرض وبين السموم التي تصنعونها كل حين.

قلت: صدقت، فأرزاق الله غذاء ودواء، وأرزاقنا داء وسموم.

قال: ذلك لأنكم انشغلتم بالأكل، فعبدتموه من دون الله، فهم أحدكم من يومه جميعا ما يأكله وما يشربه، فلم تكتفوا بما خلق الله لكم من أصناف الموائد التي تتناسب مع أجهزتكم، بل رحتم تبدلون وتغيرون وتتفننون مما أوقعكم في الهلكة، وأوقع أجهزتكم في العطب.

الكون:

قلت: فما المثال الرابع؟

قال: خلق الكون بهذا البناء الرائع الذي لا تملك القلوب المؤمنة إلا التسبيح عند رؤيته .. ألم يأمر الله بالنظر في السموات والأرض؟

قلت: بلى، فقد قال تعالى:) قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الْآياتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ( (يونس:101)، وأخبر تعالى عن تحقق أولي الألباب من عباده بهذه العبودية، فقال:) إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآياتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ( (آل عمران:190 ـ 191)

قال: ففي كون الله من آيات الإتقان والحسن ما يحرك القلوب المؤمنة، لا لمجرد التسبيح فقط، بل للاقتداء، ألا تعلم من أحب شيئا ظهر عليه؟

قلت: بلى، فهذه حقيقة لا شك فيها، فمن يستطيع كتم أشواقه ومحبته.

وأفضحَ من عينِ المحبِّ لسرهِ           ولا سيما إِن أطلقتْ عبرة تجري

قال: ولهذا يذكر الله تعالى خلقه السموات والأرض، بل يذكر خلقه لها بهذه الصيغة التي لا يستطيع اللسان التعبير عنها، قال تعالى:) وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ( (الذريات:47)

قلت: والله تعالى يصف نواحي الكمال في خلق الكون مما يحفز الهمم للبحث فيها ..

قال: لا البحث فقط وإنما التشبه والاقتداء .. وسأذكر لك مثالا عن متانة الصنع الإلهي في خلق السماء نستمد ذلك من بحار قوله تعالى:) وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفاً مَحْفُوظاً( (الانبياء: من الآية32)

فجأة ظهر خبير مؤمن يقول: السماء هنا يمكن أن تكون اشارة الى الفضاء الذي يحيط بالارض ويبلغُ سمكُهُ مئات الكيلو مترات، فهذه الطبقة التي تتألف من الهواء المضغوط اللطيف وبقية الغازات المحيطة بجوانب الكرة الارضية على هيئة سقف دائري، قويةٌ بالقدر الذي يصفها بعض العلماء بأنَّ لها مقاومةً بقدر سقف فولاذيٍّ بسُمكِ عشرة أمتار.

وهي لا تمنع نفوذ الاشعاعات المدمرة فحسب، بل تمنع سقوط الصخور الفضائية التي تنجذب نحو الارض باستمرار، لاصطدامها بهذه الطبقة الجوية بسرعتها الخارقة، فتكون مانعاً لحركة تلك الصخور، كما يؤدي هذا الاصطدام إلى احتراق تلك الصخور وانصهارها، فلو لم تكن هذه الطبقة الجوّية العظيمة لأصبح أهلُ الارض عُرضةً للملايين من قذائف الصخور الفضائية الصغيرة والكبيرة ليلَ نهار، فماذا سيحصلَ؟ وهل يكون هناك وجودٌ للاستقرار فى مهد الارض؟ وهل سيكون اسمُ المهد والمرقدِ لائقاً بها؟

ثم أشار إلى رجل ظهر فجأة بجانبه، وقال:( هذا فرانك آلن يؤيد ما ذكرت.

قال فرانك آلن: إنَّ الجوَّ الذي تألَّفَ من الغازات التي تحفظ الحياة على سطح الارض له من المقدار والسمك بحدود 800 كم بحيث يستطيع أن يكون كالدرع للارض يصونها من شر اصطدام 20 مليون صخرة فضائية مدمرة تبلغ سرعتها50 كيلو متراً في الثانية يومياً! )[11]

صحيحٌ أنَّ وزنَ بعض هذه الشهب التي تتقاطر نحو الارض يعادل10001من الغرام اَلاّ أنَّ القوة الناتجة عن سرعتها تعادل قوة انطلاق ذرات القنبلة النووية!.. وقد يبلغ حجمُ ووزن بعض هذه الشُهُب مقداراً كبيراً بحيث تجتاز هذه الطبقة وتصيب الارض، ومن الشهب التي اجتازت الغلاف الغازي ووصلت إلى الارض شهاب (سيبريا) العظيم المعروف الذي صاب الأرض عام 1908م، وكانَ قطرُهُ بقَدْر كبيرحيث احتلَ (40كم) تقريباً من الارض، وأدّى إلى حدوث أضرار جسيمة.

فلو كان الغلاف الجوي حولَ الأرض يشكل أرقُّ مما هو عليه لأصابتَ الأرضَ يومياً عدةُ ملايين من الأجرام السماوية والشُهب الثابتة[12].

 

القدوة

قلت: عرفنا التشبيه، وهو طريق العارفين الذائقين في تحصيل الإتقان، فما القدوة، وبمن تكون؟

قال: القدوة هي انصهار المقتدي وذوبانه في المقتدى نتيجة إعجابه وحبه له.

قلت: فبمن تكون؟

قال: لقد ذكر الله مثالين للقدوة في العمل، أحدهما من جنسنا، والآخر من غير جنسنا.

الصالحون:

قلت: فمن من جنسنا؟

قال: عباد الله الصالحين المحسنين، فقد قال تعالى في شأنهم:) لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً( (الأحزاب:21)، وقالتعالى:) وَمَنْ أَحْسَنُ دِيناً مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلاً( (النساء:125)

قلت: فكيف نقتدي بهم؟

قال: بالبحث عن سيرهم وسلوكهم واتخاذ مواقفهم دستورا تنتهجونه وتمشون على خطاه، ألم يكن النبي - صلى الله عليه وسلم - يستعيد مواقف الأنبياء ـ عليهم الصلاة والسلام ـ ويجدد الحياة فيها.

قلت: بلى، فقد ورد في السيرة المطهرة أنه لما كان يوم فتح مكة، ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - بمكة أرسل إلى صفوان ابن أمية وإلى أبي سفيان بن حرب وإلى الحارث بن هشام، قال عمر:( فقلت قد أمكن الله منهم لأعرفنهم بما صنعوا ) حتى قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:( مثلي ومثلكم كما قال يوسف لإخوته:) لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ( (يوسف: من الآية92)

قال عمر: فانفضحت حياء من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كراهية أن يكون بدر مني وقد قال لهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما قال[13].

قال: لقد استعاد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - موقف يوسف u مع إخوته، فعامل الذين آذوه أبلغ الإيذاء بنفس الأسلوب.

قلت: ومثل ذلك ما ورد في الصحيح عن عبد اللّه بن مسعود t قال: قسم رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - ذات يوم قسماً فقال رجل من الأنصار: إن هذه القسمة ما أريد بها وجه اللّه، قال، فقلت: يا عدو اللّه أما لأخبرن رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم -  بما قلت، فذكرت ذلك للنبي - صلى الله عليه وسلم - فاحمر وجهه ثم قال:( رحمة اللّه على موسى، لقد أوذي بأكثر من هذا فصبر )[14]

قال: ومثل الأنبياء الصالحون الذين ذكرت أوصافهم في القرآن الكريم، والتي تمتلئ كتب السير والطبقات بنماذجها.

الحيوانات:

قلت: فهذا هو موضع القدو الأول، والذي هو من جنسنا، فمن نقتدي به من غير جنسنا؟

قال: الحيوانات.

ثرت قائلا: ما هذا؟ .. ما عهدتك يا معلم هكذا .. كيف تقرن الأنبياء ـ عليهم الصلاة والسلام ـ بالحيوانات .. أليس هذا كفرا أو قريبا من الكفر!؟

قال: ولماذا تستهين بالحيوانات لهذه الدرجة، أليست من خلق الله؟ ألا تعلم أن احتقارك لها احتقار للذي خلقها؟ ألم تسمع قوله تعالى:) إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلاً مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا ( (البقرة: من الآية26)؟  .. ألم يذكر الله الذباب والعنكبوت والنحل والحمار والبغال وغيرها في القرآن الكريم؟ 

قلت: بلى، ولكن قومي، أو من اشتهر بالأدب منهم يتحرجون من مثل هذا.

قال: فهم يتعاظمون ويتكبرون على خلق الله .. فمن ضمن لهم أنهم أشرف من هذه الحيوانات.

قلت: بلى، لقد تذكرت نهيه r عن إتخاذ ظهور الدواب منابر، معللا ذلك بقوله: ( فرب مركوبة خيرا أو أكثر ذكرا لله تعالى من راكبها)[15]

قال: ستسألني عن كيفية اتخاذ الحيوانات قدوة في الإتقان، وعن تأصيل ذلك.

قلت: نعم، لم تعدو ما في قلبي.

قال: ألم تسمع قوله تعالى:) فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَاباً يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْءَةَ أَخِيهِ قَالَ يَا وَيْلَتَى أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْءَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ( (المائدة:31)؟

قلت: لقد سمعت هذه الآية في مواضع مختلفة.

قال: لكل قضية سماعها الخاص بها.

قال: فبماذا تحدثني هذه الآية في هذا الموقف؟

قال: تخبرك بأن الله تعالى ألهم الحيوانات من العلوم ما نستفيد منه في حياتنا وفي أعمالنا، ألم يقل الله في هذه الآية:) فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَاباً يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْءَةَ أَخِيهِ (

قلت: بلى.

قال: فقصد هذا الغراب أن يري الإنسان كيف يتعامل مع جثة أخيه.

قلت: نعم، هكذا ينص القرآن الكريم.

قال: فهذا يدل على أن الله تعالى جعل في الحيوانات معلمين لنا.

قلت: لا أظن أن هناك حرجا في ذلك بناء على ما سبق ذكره من الحرمة التي استفادتها الحيوانات من خلق الله لها.

قال: فلذلك لا تتعجب إن ذكرنا الحيوانات كمحل من محال القدوة.

قلت: أجل، ولكن الحيوانات في نظرنا لا تختلف عن الجماد إلا في بعض الوعي الذي يهيئها لاكتساب رزقها.

قال: ذلك ما ترونه أنتم، أما الحقيقة فأعظم من ذلك[16].

قلت: بين لي بعض نواحي القدوة في الحيوانات.

قال: أولها نظام الحكم.

ضحكت وقلت: نظام الحكم، كيف يكون هذا؟ .. لم أر في عالم الحيوانات صناديق انتخاب.

قال: صناديق الانتخاب أنشأها جشعكم وحرصكم وطلب كل واحد منكم التسلط على عباد الله، أما الحيوانات، فتعرف الأمر لأهله، فتسلمه له من غير أن تزاحمه فيه.

قلت: اضرب لي مثالا أفضل، فلا أرى أن لقومي القدرة على فهم هذا المثال.

قال: هاهم مجموعة خبراء أمامك، وكلهم مشدوه بعالم الحيوان ممتلئ إعجابا به، يحدثونك عن ناحية واحدة من نواحي الإتقان في عالم الحيوان، هي ما يمكنكم تسميته ( الهندسة الحيوانية )

فجأة ظهر مجموعة خبراء في يد كل واحد منهم طير ينظر إليه بإعجاب، وكأنه يحمل بيده كنزا من الكنوز.

قال أولهم: هناك دور كبير للمنازل والأعشاش التي تبنيها الحيوانات في رعاية وتنشئة الصغار، وهناك أساليب مختلفة باختلاف أنواع الحيوانات في طريقة إنشاء هذه الأعشاش بتفاصيل تقنية باهرة، وفي أحيان كثيرة تتصرف الحيوانات مثل مهندس معماري بارع، وتعمل على شاكلة بنّاء ماهر في عمله، وتجد حلاّ لكل مشكلة قد تواجهها أثناء البناء تماما مثل المهندس ومثل أخصائي في الديكور حيث تقوم بتوفير ما يلزم لداخل العش، وفي أحيان كثيرة أخرى تعمل هذه الحيوانات ليل نهار للإعداد لهذه الأعشاش، وإذا كان لهذه الحيوانات أزواجا فتقوم بتوزيع الادوار و التعاون في صورة مثيرة للإعجاب.

قال الثاني: ومن الجدير بالذكر أن هذه الحيوانات، تخطط وتخطو مراحل متعددة قبل الشروع في بناء أعشاشها أو منازلها لوضع بيضها أو ولادة صغارها، كذلك تختار هذه الحيوانات المكان الأمثل والأكثر أمنا لإنشائها, فهذه الحيوانات لا تنشئ منازلها عبثا و أينما اتفق.

وطريقة بناء العش أو المسكن يتم اختياره من قبل الحيوان أو الطير وفقا للمواد الأولية المتوفرة وظروف البيئة الخارجية، فمثلا تستخدم الطيور البحرية الأعشاب البحرية التي تطفوا على سطح الماء وتقاوم الأمواج في بناء أعشاشها، أمّا الطيور التي تعيش في مناطق الأعشاب الطويلة فتنشئ أعشاشا عميقة وواسعة لتفادي السقوط عند هبوب الرياح، والطيور الصّحراوية تبني أعشاشها على قمم النباتات التي تمتاز بانخفاض درجة حرارتها أقل بعشر درجات عن درجة المحيط، وإلاّ فإنّ درجة حرارة اليابسة تربو على 45 درجة، وهي تؤدي حتما إلى موت الأجنة الموجودة داخل البيض.

قال الثالث: يتطلب اختيار المكان المناسب لبناء العش ذكاء ومعرفة واسعة، إلاّ أن هذه المخلوقات لا تستطيع أن تتوقع مدى الضرر الذي سيلحق بمنازلها بتأثير الأمواج العاتية أو درجة الحرارة العالية للبيئة الصحراوية. والظاهر للعيان أن هناك مخلوقات غير عاقلة ولا منطق لها إلا أنها تسلك سلوكا عاقلا ومنطقيا، وبمعنى آخر مخلوقة على هذه الصورة الكاملة، والكمال في الخلق لا يوجد إلا لله وحده .

ويحظى الصّغار بعد فقس البيض أو لحظة الولادة بعناية بالغة، ويقضي الكبار من الحيوانات أو الطيور وقتا كبيرا في الحفاظ على حياة الأبناء ولا تكتفي في ذلك ببناء المنازل وإنمّا تبني أعشاشا وهمية لمجرد التمويه بهدف لفت الانتباه إلى هذه الأعشاش الوهمية حفاظا على حياة الصغار من خطر الأعداء.

وهناك أسلوب آخر للتمويه تستخدمه الحيوانات وهو بناء الأعشاش بين أغصان الأشجار الكثيفة الأوراق أو فوق النباتات الشوكية، وبعض أنواع الحيوانات تنشئ لها أوكارا خاصة تبيض فيها وترقد على بيضها وتقوم بإنشاء جدار خاص لمدخل هذا الوكر باستخدام الطين الموجود في البيئة الخارجية وإذا لم يوجد تقوم بإفراز سائل خاص تخلطه مع كمية من التراب لإعداد الطين اللازم لإنشاء هذا الجدار الواقي.

قال الرابع: وأغلب أنواع الطيور تبني أعشاشها غريبة الشكل باستخدام ألياف النباتات أو الأعشاب والحشائش البرية المتوفرة في البيئة، والجدير بالذكر أن الطير الّذي سيبيض لأول مرة في حياته يبني عشه بإتقان بالغ دون أن يكون له سابق معرفة أو خبرة ببناء الأعشاش .

قال الخامس: وهناك أمر آخر يحسن الإطلاع عليه ويتعلق بقابليات الكائنات الحية وهو كون الكائن الحي على علم تام بكيفية بناء العش أو المسكن بالكيفية الخاصة بنوعه والمتميز بها عن الأنواع الأخرى اعتبارا من أول لحظة له في هذه الحياة، وكل نوع من أنواع الحيوانات يبني منزله بالكيفية نفسها في أية منطقة من مناطق العالم.

قال السادس: واللافت للنظر عند دراسة كيفية بناء الحيوانات لمنازلها ليس فقط التخطيط البارع وإنما التضحية والتعاون اللّذين يبديهما كل من الذكر والأنثى في البناء، وعلى سبيل المثال تنشئ الطيور أعشاشها الخاصة بها بكل اعتناء واهتمام ولا تكتفي بذلك بل تنشئ أعشاشا أخرى كجهد إضافي للتمويه.

ولو تمعّنا في عملية إنشاء الطيور لأعشاشها لأدركنا مدى الصعوبات التي تلاقيها والجهد الظخم الذي تبذله والتفاني الذي تبديه في سبيل إتمام بناء هذه الأعشاش. فالطير الواحد يقوم بعدة مئات من رحلات الطيران في سبيل إنشاء عش للتمويه فقط فما بالك بالجهد اللازم لبناء العش الحقيقي، والطير لا يستطيع أن يحمل في منقاره سوى قطعة أو قطعتين من المواد اللازمة لبناء العش من أغصان أو غيرها، ولكن هذا الأمر لا يثير في الطير الشعور بالملل و إنما بالعكس من ذلك يثابر على العمل بكل صبر،وإذا شعر بتعب أو إرهاق لا يترك العمل ولا يترك ما في منقاره ولا يهمل أي تفصيل من التفاصيل اللازمة لبناء العش.

قلت للمعلم بعد انصرافهم: إن عالم الحيوان يدعو حقا للإعجاب، وكأنه مدارس نستفيد منها، فلماذا لا يحظى بالاحترام الكافي.

قال: الغافلون وحدهم هم الذين لا يحترمون هذا العالم لأنهم لا يحترمون إلا أنانيتهم، أما الأولياء فهم يحترمونه ويعظمونه ويتأدبون بين يديه .. ألم تسمع عن أدب بديع الزمان مع هذا العالم.

قلت: بلى فقد تحدث تلاميذه عنه العجائب في هذا الباب.

فجأة ظهر تلميذ من تلاميذه يقول[17]:( من ناداني؟ .. أراكم تتحدثون عن الأستاذ .. نعم لقد كان سلوكه مع الحيوانات عجيبا .. لقد كان مثالا للشفقة على الكائنات قل نظيره .. لقد كان للاستاذ علاقة متينة مع المخلوقات ويشفق كثيراً جداً على الأشجار والحيوانات بل حتى على الأحجار ايضاً، فعندما يرى كلباً - مثلاً - في الطريق يشفق عليه ويبادرنا بالقول:( هل لديكم كسرة خبز؟ فيأخذها ويعطيها للكلب )

ويعتذر عن سباع الحيوانات بقوله:( هذه حيوانات وفية، وإن عدوها وعواءها ناشئان عن صدقها ووفائها )

وكان عندما يرى في السهول السلحفاة - مثلاً - على حوافي السواقي يقول:( ما شاء الله، بارك الله، ما أجملها من مخلوق، فالصنعة والإتقان في خلقها ليس بأقل منكم )

أما النمل، فله معه قصص كثيرة، فقد كان يتفقد النمل الذي في شقوق الدار ويضع له الدقيق ولباب الخبز على باب جحره ويقول:( يمنعهم من الانتشار لأجل القوت، فإن النملة إذا جاعت خرجت تطلب رزقها ضرورة، وعرضت نفسها لوقوع حافر أو قدم عليها فتموت أو تنكسر رجلها، فإذا وجدت ما تأكل على باب جحرها استغنت عن الخروج)

وأحياناً عندما كان الأستاذ يرى مملكة النمل او يرانا نحرك حجراً وتحته مملكة النمل كان يعيد الحجر إلى مكانه ويقول:( لا تقلقوا راحة هذه الحيوانات)

وكان عندما يلتقي في تجوله صيادي الأرانب والطيور يقول لهم:(لا تروعوا هذه الحيوانات ببنادقكم ولا تؤذوا غيرها )

وبهذا الأسلوب كان ينصح الصيادين الهواة حتى جعل الكثيرين منهم يتخلون عن الصيد.

وكان عندما يلتقي الرعاة في السهول الخضراء وهم يرعون حيواناتهم في مروج بين الجبال والوديان والسهول، يلاطفهم ويقول لهم:( إنكم إذا ما أديتم الصلاة في أوقاتها الخمسة خلال اليوم يصير اليوم بكامله بمثابة عبادة لكم، لأنكم برعيكم هذا تقدمون خدمة كبيرة للبشرية فان انتفاع بني البشر من أصوافها ولحومها وألبانها هو بحكم الصدقة لكم، فلا تؤذوا إذن هذه الحيوانات البريئة النافعة )

قال المعلم: وهكذا كان الصالحون y ..واسمع للإمام عبد الوهاب الشعراني يحدثك عنهم.

فجأة ظهر الشعراني، وهو يقول:( نعم .. لقد سمعت أخي أفضل الدين مرة يقول:( من الأدب إذا ركب العبد دابة أن يرحمها بالنزول عنها ولا يركب إلا عند الضرورة )

ويروي عنه أنه رآه مرة قلب حافر الحمارة لما نزل من عليها وقبله، فأخذ يخاطبها قائلا:( اجعليني في حل )، وصار يعتذر إليها كما يعتذر لمن اعتدى عليه من الناس.

ويروى عن الإمام الجليل السيد أحمد بن الرفاعي t أنه وجد بأم عبيدة كلبا أجرب أبرص أجذم عافته نفوس الناس وأخرجوه من البلد، فمكث الشيخ يخدمه في صحراء أم عبيدة نحو أربعين يوما، وعمل عليه مظلة من الحر وصار يدهنه حتى برئ وغسله بالماء الحار، وقال: خفت أن يقول الله لي يوم القيامة:( أما كانت فيك رحمة تشمل كلبا من خلقي )

ويروى عنه أنه كان يقول:( لا ينبغي لفقير أن يجعل للنمل الطائف على رزقه مانعا يحول بينه وبينه من قطران ونحوه إلا بعد أن يخرج له نصيبا معلوما من ذلك ويضعه له على باب جحره )

قال لي المعلم بعد انصرافه: لا زال الربانيون ـ في كل العهود ـ مسالمين للكون، مهما رماهم الغافلون بالإرهاب، فهذا سيد قطب t صاحب القلب الرقيق يحدث عنه بعض زملائه في السجن قال:( أ لف نزلاء ليمان طرة قطا أعور تتقزز الأبدان لرؤيته، كان يأوي بالقرب من الأستاذ سيد قطب، وكان سيد يخصص له قسما من طعامه، ويقول:( ليس من الوفاء أن نجافيه ونضيعه في هرمه بعد طول صحبته لنا )

الجزاء

قلت: عرفنا التشبيه والقدوة، وامتلأنا بالمعاني الواردة فيهما، فما الجزاء، وما أنواعه؟

قال:الجزاء هو الأجر الذي جعله الله تعالى بفضله وشكره لمن يتقن عمله.

قلت: فما أنواعه؟

قال: كثيرة نقتصر منها على هذه الأربع مما دلت عليه النصوص.

قلت: فما هي؟

قال: المحبة، والزيادة، والرحمة، والوقاية.

المحبة:

قلت: فما المحبة، وما دليلها؟

قال: المحبة هي السماء العالية التي هفت إليها قلوب الصديقين .. وهي الشعاع النير الذي ظلوا طول حياتهم يطلبونه.

قلت: تقصد محبتهم لله.

قال: أقصد محبة الله لهم، ألم يقل - صلى الله عليه وسلم - في حديث الأولياء:( ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي بها، وإن سألني لأعطينه وإن استعاذني لأعيذنه، وما ترددت عن شيء أنا فاعله ترددي عن نفس المؤمن يكره الموت، وأنا أكره مساءته )[18]

قلت: فهل ورد في النصوص ما يدل على محبة الله لعبادة المتقنين؟

قال: بلى، فقد قال تعالى مرغبا في الإحسان:) وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ( (البقرة:195)

وقالتعالى مبينا درجات المؤمنين واستئثار المحسنين بأعلاها:) لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ( (المائدة:93)

قلت: فما السر في محبة الله للمحسنين؟

قال: هو السر في محبته للراحمين وللتوابين وللطاهرين.

قلت: فما السر في هؤلاء جميعا؟

قال: إن الله يحب المتخلقين بأخلاقه المتصفين بصفاته، ألا تفهم الإشارة في قوله - صلى الله عليه وسلم -:( الأرواح جنود مجندة فما تعارف منها ائتلف وماتناكر منها اختلف)[19]

قلت: بلى، فالرسول - صلى الله عليه وسلم - يبين انجذاب كل جنس إلى جنسه، وكل شكل إلى شكله، فالطيور على أشكالها تقع.

قال: فافهم الإشارة، ممزوجة بترياق التنزيه، فالله ) لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ( (الشورى: من الآية11)

الزيادة:

قلت: فما الزيادة؟ وما دليلها؟

قال: الزيادة هي شيء فوق النعمة، أو هي نعمة مخبأة مستورة .

قلت: أتعني ما نسميه نحن بالمفاجأة.

قال: وماذا تفعلون فيه؟

قلت: نخبئ ما نريد أن نجعله مفاجأة داخل قراطيس أو صناديق لتفتح في أوقات خاصة.

قال: هذا قريب من الزيادة، ولو أن الزيادة التي وعد الله بها عباده من العظمة بحيث لا تستطيع قراطيس الدنيا جميعا حملها.

قلت: فما دليها؟

قال: ألم تسمع قوله تعالى:) وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَداً وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّداً وَقُولُوا حِطَّةٌ نَغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ( (البقرة:58) أي أن المحسنين سينالون المزيد من الأجر إضافة إلى غفران الخطايا.

فالله تعالى وعد المحسنين بالجزاء على أعمالهم، كما قال تعالى:) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلاً( (الكهف:30)

ووعد فوق ذلك بأن يجزيهم على أحسن أعمالهم، فقال تعالى:) وَلا يُنْفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً وَلا يَقْطَعُونَ وَادِياً إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ( (التوبة:121)، وقالتعالى:) لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ( (النور:38)

ووعدهم فوق ذلك كله بالجمع بين الحسنى والزيادة، فقال تعالى:) )لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ ( (يونس: من الآية26)

قلت: ولماذا لم يذكر الجزاء، وبقي مخبأ في سراديب الكتمان؟

قال: لا .. هو ليس مخبأ، ولكن طاقتنا العقلية أقل من أن تتحمل ذكره .. أرأيت لو وصف لك نوع من الفواكه لم تره في حياتك جميعا، أكنت تفهم ذلك الوصف؟ 

قلت: لا .. فالأذواق لا يصفها مثل اللسان، كما الألوان لا تصفها مثل العين.

قال: فكذلك هذ الزيادة .. وأضيفك سرا آخر.

قلت: ما هو؟

قال: هل المفاجآت التي تقدمونها لأصناف الناس متكافئة؟

قلت: لا .. هي مختلفة باختلاف طبقاتهم الاجتماعية، أو باختلاف مراتب نجاحهم، فالهدية المقدمة للأول ليست كالهدية المقدمة للثاني.

قال: فكذلك الله تعالى خبأ هذه الهدايا ليتنافس عباده على استلام أفضلها.

قلت: متى؟

قال: يوم الجزاء.

قلت: متى هو؟

قال: في الدنيا والآخرة، فالله ديان الدنيا والآخرة.

الرحمة:

قلت: فما الرحمة وما دليلها؟

قال: يمكنك أن تفهمها، ولكن لا يمكنك التعبير عنها.

قلت: ولكن من قومي من يعبرون عنها بالإحسان.

قال: قد يحسن إليك في الظاهر من لا يرحمك.

قلت: فكيف أفهمها؟

قال: ليس عقلك هو الذي يفهمها، فعقلك معقول بعقال الحس، مكدر بمستنقعات التشبيه.

قال: فمن يفهمها إذن إذا لم يفهمها عقلي؟

قلت: يفهمها وجدانك ومشاعرك المنزهة عن دنس التشبيه.

قلت: أريد شرحا أكثر لهذا المعنى.

قال: عندما تجاوز المراحل العشر التي تبدأ بها مسيرتك للسلام، ستتمكن من القدرة على فهم هذه المعاني .. أتريد أن تنتقل إلى الجامعة، وأنت لم تكمل دراستك الابتدائية؟

قلت: فما دليل كون الرحمة جزاء من أجزية الإحسان؟

قال: ألم تسمع قوله تعالى:) وَلا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفاً وَطَمَعاً إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ( (لأعراف:56)

قلت: فلماذا قال:) إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (، ولم يقل:( إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ للْمُحْسِنِينَ )

قال: لأن رحمة الله الشاملة وسعت كل شيء، لكن من الخلق من ابتعد عنها بسلوكه، ومنهم من اقترب منها، فكانت الرحمة قريبة منه، وفي الحقيقة كان هو القريب منها.

قلت: فسر لي هذا المعنى بما يحتمله عقلي من الحس.

قال: الهواء الذي تتنفسه موجود في كل مكان، فمن أغلق أنفه وفمه فلم يتنفس لا نقول:( إن الهواء انقطع عنه )، وإنما نقول:( إنه هو الذي قاطع الهواء )، فرحمة الله شاملة، ومن حجب عنها لم يحجب من قبل الرحيم، وإنما حجب من قبل هواه.

قلت: فسر لي ذلك أكثر.

قال: ستعرف سره عند معرفة ( أسرارا الأقدار )

الوقاية:

قلت: فما الوقاية وما دليلها؟

قال: الوقاية وقايتان: وقاية لروحك من التدنس بأوزار الذنوب، ووقاية لجسدك من التدنس بأدناس البلاء.

قلت: فبأي الوقايتين يجازى المحسن؟

قال: بكلا الوقايتين.

قلت: فما دليل ذلك؟

قال: ألم تسمع قوله تعالى في تبشير عباده بتكفير خطاياهم وتطهيرهم منها:) َالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَحْسَنَ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ( (العنكبوت:7)

قلت: فهذه وقاية الروح، فما وقاية الجسد؟

قال: ألم تسمع قوله تعالى:) وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ  لا تَشْعُرُونَ( (الزمر:55)، وقوله تعالى:) لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ وَلا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلا ذِلَّةٌ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ( (يونس:26)

قلت: فهل للإحسان جزاء في الدنيا، فإن كل ما ذكرته من أجزية الآخرة؟

قال: من أخطر الأوهام التي تقعون فيها تفريقكم بين الدنيا والآخرة، وأحكام الدنيا وأحكام الآخرة، أليس رب الدنيا والآخرة واحد؟

قلت: بلى.

قال: فالجزاء والعقوبة يعجل في الدنيا، قبل الآخرة، ففي الدنيا روح من روح الجنة، وفيح من عذاب جهنم.

قلت: فطبق لي هذا على ما ذكرت من أجزية.

قال: كل ما ذكرته يتناول الدنيا والآخرة، فالمحسن محبوب من الله والخلق، فكل من أحبه الله نشر محبته بين الخلق، ألم تقرأ حديث جبريل u؟

قلت: بلى، فقد أخبر - صلى الله عليه وسلم - أن الله تعالى إذا أحب عبدا دعا جبريل فقال: إني أحب فلانا فأحببه، فيحبه جبريل، ثم ينادي في السماء فيقول: إن الله يحب فلانا فأحبوه، فيحبه أهل السماء، ثم يوضع له القبول في الأرض. وإذا أبغض عبدا دعا جبريل فيقول: إني أبغض فلانا فأبغضه، فيبغضه جبريل، ثم ينادي في أهل السماء: إن الله تعالى يبغض فلانا فأبغضوه، فيبغضونه، ثم توضع له البغضاء في الأرض .

قال: ومثل ذلك الزيادة، الستم تكافئون المحسن بالجوائز؟

قلت: أحيانا.

قال: أقل شيء تكافئونه به هو اضطراركم إليه، وقرعكم لبابه،وهجرانكم باب المسيء.

قلت: والرحمة.

قال: من اضطررتم إليه، اضطررتم إلى رحمته، لأنكم لا ترحمونه هو بل ترحمون اضطراركم إليه.

قلت: والوقاية؟

قال: تغضون الطرف عن سيئاته طمعا في حسناته.

الرقابة

قلت: وأخيرا وصلنا إلى باب الرقابة .. فما هي؟ ولم كانت سبيلا من سبل الإحسان، ومعراجا من معارجه؟

قال: أرأيت لو كلفت بعمل من الأعمال، وحضر الوزير لرؤية مدى إتقانك له، أو تقصيرك فيه، ماذا كنت ستفعل؟

قلت: سأحبره تحبيرا تحتار نفسي فيه، بل إني أعمل كل جهدي لأجعل منه آية من آيات الجمال.

قال: ولو علمت أنه لا يجازيك على ذلك؟

قلت: لا تهمني مجازاته لي، فحسبي من جزائي رؤيته لي.

قال: فإن حضر الرئيس؟

قلت: سيكون التحبير أعظم.

قال: فكيف إذا كان الرائي هو الله رب كل شيء ومليكه.

قلت: .. ..!؟

قال: فهكذا المؤمن الذي امتلأ قلبه محبة لله وتعظيما له، فإن قلبه يمتلئ فرحا وسرورا برؤية الله له، فيندفع إلى عمله بنشاط عظيم يجعله يتفنن في إتقانه.

قلت: لقد ذكرتني بقول أبي موسى t عندما قال له النبي - صلى الله عليه وسلم -:( لو رأيتني وأنا أستمع لقراءتك البارحة لقد أوتيت مزمارا من مزامير آل داود ):( لو علمت مكانك لحبرت لك[20] تحبيرا )[21] وفي رواية:( ولشوقت تشويقا )[22]

قال: ولهذا قال تعالى مرغبا المؤمنين:) وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُون( (التوبة: من الآية105)

قلت: ألهذا إذن عرف - صلى الله عليه وسلم - الإحسان بقوله:( أن تعبد الله كأنك تراه )؟

 قال: أجل، ولهذا كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يربي أصحابه على هذا المعنى، فلا يحتاجون للاندفاع إلى العمل وإتقانه إلا للشعور بالله.

قلت: قد رويت أحاديث كثيرة في هذا الباب، فعن أبي ذر t قال:( أوصاني خليلي - صلى الله عليه وسلم - أن أخشى الله كأني أراه فإن لم أكن أراه فإنه يراني )

ومثل ذلك ما روي عن ابن عمر t قال: أخذ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ببعض جسدي، فقال:( اعبد الله كأنك تراه )

ومثل ذلك ما روي من حديث زيد بن أرقم t مرفوعا وموقوفا:( كن كأنك ترى الله فإن لم تكن تراه فإنه يراك )[23]

ومثل ذلك ما روي عن أنس t أن رجلا قال: يا رسول الله حدثني بحديث واجعله موجزا فقال - صلى الله عليه وسلم -:(  صل صلاة مودع، فإنك إن كنت لا تراه فإنه يراك )[24]

ومثل ذلك ما وري في حديث حارثة المشهور أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال له:( يا حارثة كيف أصبحت؟) قال:( أصبحت مؤمنا حقا ) قال:( انظر ما تقول، فإن لكل قول حقيقة ) قال:( يا رسول الله، عزفت نفسي عن الدنيا فأسهرت ليلي، وأظمأت نهاري، وكأني أنظر إلى عرش ربي بارزا، وكأني أنظر أهل الجنة في الجنة، كيف يتزاورون فيها، وكأني أنظر إلى أهل النار كيف يتعاوون فيها )، قال:( أبصرت، فالزم، عبد نور الله الإيمان في قلبه)

ومثل ذلك ما وري عن أبي أمامة t أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أوصى رجلا فقال له:( استحي من الله استحياءك من رجلين من صالحي عشيرتك لا يفارقانك)

ومثل ذلك ما وري عن معاذ t أن النبي - صلى الله عليه وسلم - وصاه لما بعثه إلى اليمن فقال:( استحي من الله كما تستحي من رجل ذي هيبة من أهلك )

وقد سئل النبي - صلى الله عليه وسلم - عن كشف العورة خاليا، فقال:( الله أحق أن يستحيا منه )

قال: لقد أشار القرآن الكريم إلى هذه الحقيقة العظيمة في آيات كثيرة، فالله تعالى يقول لنبيه  - صلى الله عليه وسلم -:) وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ( (الطور:48)، ويقول له:) الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ( (الشعراء:218)

ويخبر أولياءه مبشرا لهم بقوله:) وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُوداً إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّمَاءِ وَلا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْبَرَ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ( (يونس:61)

ويخبرهم أنه معهم دائما لا يغيب، فيقول:) مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ( (المجادلة: من الآية7)

قلت: يا معلم، لقد عهدت قومي يتحدثون عن رقابة الله مخوفين من نظر الله.

قال: ذلك مقام الغافلين، فإنهم يرون في رؤية الله لهم ما يحول بينهم وبين معاصيهم، أما العارفون المحققون فإنهم يرون في رؤية الله لهم ما يراه كل محب عندما يراه محبوبه، ألم تسمع ما قال بشر لذلك العاشق؟

قلت: بلى، فقد حكى عن نفسه، قال: مررت برجل وقد ضرب ألف سوط في شرقية بغداد ولم يتكلم ثم حمل إلى الحبس، فتبعته فقلت له: لم ضربت؟ فقال: لأني عاشق، فقلت له: ولم سكت؟ قال:( لأنّ معشوقي كان بحذائي ينظر إليَّ، فقلت: فلو نظرت إلى المعشوق الأكبر قال: فزعق زعقة خرّ ميتاً.

قال: أرأيت الطاقة الكبرى التي يمنحها الحب لأصحابه.

قلت: لو علم قومي ما في هذه الطاقة لعبأوها في قارورات، وزودوا بها المصانع والمعامل.

قال: ولكن قومك يتفننون في العوم في بحار الحب المدنس.

قلت: فكيف السبيل إلى بحار الحب المقدس؟

قال: عندما ترتفع الأنا من نفسك، لترى الوجود كما الوجود، حينها تخلع أثواب العدم لتلبس أنوار الوجود ..وحينها ستذوق طعم الحب المقدس .. وحينها ستشرب من أكواب الكون فلا ترتوي.

قلت: فدلني على شواطئه.

قال: ذلك علم آخر من علوم السلام، وتلك رسالة من رسائله[25]، فاصبر، ولا تتخط رقاب الصديقين.

قلت: فمن أين أبدأ؟

قال: ابدأ من الابتدائي .. تخط حجب الغفلة أولا.

قلت: كيف أتخطاها؟

قال: ابدأ من مقامات الغافلين، فلا يمكن أن ترتقي درجات الصديقين، وأنت لم تقطع درجات الغافلين.

قلت: فحدثني عن مراقبة الغافلين.

قال: أرأيت لو أنك وظفت في معمل يحتاج العمل فيه إلى دقة عظيمة، فالأخطاء فيه خطيرة غير مغتفرة، بل قد يؤدي التقصير فيه إلى هلاكك وهلاك جميع المحيطين بك، وكان صاحب المعمل حازما شديدا، له من القوى والصلاحيات ما يسمح له بأن يعاقبك بكل أنواع العقوبات، فيمكنه أن يحبسك في زنزانة، ويمكن أن يذيقك من أنواع الآلام ما يجعلك عين العذاب .. ومع ذلك كله لا خيار لك إلا أن تعمل عنده.

قلت: يا معلم .. رويدك، فقد اقشعر جلدي مما قلت، لكأني بك تتعمد إخافتي .. فما وجه هذا المثال؟

قال: هذا ليس مثالا، بل هذه حقيقة ..

قلت: كيف؟

قال: الله هو صاحب هذه الأرض، وقد خلقنا أجراء فيها، ألم يقل تعالى للملائكة ـ عليهم الصلاة والسلام ـ:) إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً ( (البقرة: من الآية30)

قلت: بلى.

قال: أليس الخليفة هو الذي ينوب مناب صاحب العمل في عمله؟

قلت: أجل، فله من الحرية ما يكفل له أن يتصرف بما يراه مناسبا.

قال: ولكن تصرفاته محكومة بما يرتضيه صاحب العمل.

قلت: نعم، وإلا عد منقلبا على صاحب العمل.

قال: فقد قال صاحب العمل مبينا سر خلق الإنسان:) إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً( (الكهف:7)، وقال:) الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ( (الملك:2)

قلت: فهمت هذا، ولكن ما علاقة هذا بالمراقبة؟

قال: أليست المراقبة هي أن تظل منتظرا في كل لحظة حضور صاحب العمل ليرى مدى الدقة التي تقوم بها في عملك؟

قلت: أجل.

قال: فالله تعالى أخبر بأنه يراك في كل لحظة، بل أخبر أن كل ما تفعله مسجل عنده، ألم يقل الله تعالى للغافلين:) أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ( (الزخرف:80)

قلت: بلى .. فالله تعالى ينبه الغافلين في القرآن الكريم في مواضع كثيرة إلى علم الله واطلاعه عليهم، كما قال تعالى:)أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ وَأَنَّ اللَّهَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ( (التوبة:78)

قال: وهذا الاعتقاد وحده كفيل بأن يجعل العامل متقنا لعمله متفانيا فيه لا يحتاج إلى شرطي يقمعه، وقد يرشوه ليسكت عن أخطائه.

قلت: فالإيمان إذن علاج للجودة.

قال: الإيمان هو علاج الجودة الحقيقية لا الجودة التي تتصورونها، ويغش بعضكم بعضا على أساسها.

قلت: كيف، ونحن في عصر الجودة.

 قال: أنتم في عصر أقنعة الجودة لا الجودة.

قلت: كيف؟

قال: أنتم تتفنون في الأغلفة أكثر من تفننكم في اللباب.

قلت: نعم فللغلاف دوره الكبير في تيسير بيع السلع.

قال: إن المنطق التجاري الذي تتعاملون به مع الأشياء يحول بينكم وبين رؤية اللباب.

قلت: نعم، فنحن نبيع السموم مزينة بأنواع الزينة التي تجذب العين، ولا نكتفي بذلك، بل ننشر عليها من الروائح ما يجذب الأنوف، ومن الأصوات ما يجلب الآذان، فلا يكاد أي مار يمر بها إلا ويسقط صريعا لهواها، فلا يذوقها حتى يوارى في الثرى.

قال: أما الجودة الحقيقية، فهي التي يدل ظاهرها على باطنها، وباطنها على ظاهرها، فلا غش فيها ولا خداع.

3 ـ التطوير

اقتربت من الباب الثالث من أبواب التدريب، فسألت المعلم عنه، فقال: هذا باب التطوير، وهو الباب الثالث من أبواب التدريب.

قلت للمعلم: نعم .. ولكن أليس التطور منافيا للدين، فقد نهى النبي - صلى الله عليه وسلم - عن المحدثات، فقال:( إياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة )[26]؟

قال: ليس هذا هو المراد بالتطور .. المراد منه هنا أن لا يقنع العامل بما لديه من وسائل وطاقات، بل يحاول عبورها إلى ما ييسر عليه مرافق الحياة، ويجعل استفادته منها أعظم استفادة.

قلت: فاضرب لي على ذلك مثالا.

قال: سأذكر لك بدل المثال دليلا .. أسمعت قصة سليمان u مع ملكة سبأ؟

قلت: هي في القرآن الكريم، فكيف لا أقرأها؟

قال: وهل سمعت ما فيها من طلب سليمان u من ملئه أن يأتيه بعرشها.

قلت: نعم، فقد قال لهم:) يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ( (النمل: من الآية38)

قال: فما الذي أجابه به العفريت؟

قلت: قال له ما نص عليه القرآن الكريم من قوله تعالى:) أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ( (النمل:39)

قال: فهل كان ما طرحه العفريت مقبولا من جهة سرعة إحضاره؟

قلت: أجل، فلا أظن أن هناك وسيلة معاصرة تستطيع إحضارالعرش بهذه السرعة.

قال: وهل رضي سليمان u بما طرحه العفريت؟

قلت: لا، بدليل أنه لم يكتف به، بل سمع للذي عنده علم من الكتاب، فقد ضمن له سرعة أكبر.

قال: فهذا هو التطوير: مثالا ودليلا .. فإن سليمان u لم يرض بما اقترح العفريت، بل ظل يتطلع إلى سرعة أعظم، إلى أن حصل عليها.

قلت: أجل هذا واضح من القصة، ولكن ما علاقة التطور بالعمل، ثم ما علاقة ذلك كله بالفقر والتخلف؟

قال: من الخطأ أن تعالج الفقر بوضع مرهم بسيط على جرح من جروحه، ليندمل، أو لتجففه الشمس، ثم تتصور بعد ذلك أنك عالجت الفقير، وقتلت فقره.

قلت: فما علاقة التطوير به.

قال: التطوير يبحث عن استغلال سنن الله أتم استغلال، وهو ما يضمن للفقير وصول رزقه إليه على أتم الوجوه.

قلت: فاضرب لي على ذلك مثالا.

قال: من كان لديه سهل واسع يحوي الآلاف من الهكتارات، ولديه من القوى، وفي أرضه من منابع الماء ما يكفي لاستغلال ذلك السهل جميعا، لكنه لم يستغل إلا جزءا من ألف ألف جزء منه، ثم راح يشكو الجوع والفاقة، أيعذر في شكواه؟

قلت: كلا، فشكواه لا ترجع إلا إليه، وأحرى به أن يشكو نفسه لا أن يشكو السهل والماء.

قال: فكذلك ما يحث عليه التطوير، فإنه يذكرك بالطاقات التي يختزنها الكون المسخر لتستغلها فتقضي على كل عجز، وتقتل كل فقر، وتسد كل فاقة، وحينذاك لن تطعم جوعك فقط، بل تطعم جوعك وجوع الآلاف من أمثالك، فتتخلق بصفة الرزاق، ويكون تخلقك مفتاحا من مفاتيح القرب.

قلت: إن من قومي من لا يكفيهم مثل هذا الكلام، بل يحتاجون من الأدلة ما ينير لهم الطريق، ويوضح لهم السبل.

قال: لن يعجزك البحث عن أدلة هذا، فالنصوص متظافرة عليه، ألم يكن النبي - صلى الله عليه وسلم - يخطب على جذع نخلة في المدينة، فلما كثر المسلمون واستقر لهم الأمر، استدعى نجارا رومي، فصنع له منبراً من ثلاث درجات، فكان يخطب عليه؟

قلت: بلى.

قال: فهذا تطوير في المرافق تطلبته الحاجة التي لا يكفي للوفاء بها المنبر القديم .. وفي استعمال النبي - صلى الله عليه وسلم - للنجار الرومي دليل على أن مثل هذه الخبرات ينبغي أن يستفاد فيها بكل من له طاقة ومعرفة بغض النظر عن جنسه ودينه.

قلت: أنت تذكرني بهذا بما حصل في غزوة الأحزاب عندما أشار سلمان t على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بحفر خندق حول المدينة يحميها من الغزاة المشركين، فأعجب النبي - صلى الله عليه وسلم - برأيه ونفذه، ولم يقل: هذا من أساليب المجوس، لا نأخذ به.

قال: فقد فهمت إذن أن التطوير من سنن الدين وليس من بدعه.

قلت: أجل.

قال: فأضف إلى ذلك أن السكون والقعود عن التطور هو البدعة، وإدخال الدين في ذلك تحريف له وحض للثورة عليه.

قلت: كيف؟

قال: ألا تعلم موقف الكنيسة الغربية في العصور الوسطى من موجات التطور العلمي الذي بدأ يهب على سمائها في ذلك الحين؟

قلت: بلى، فقد وقفت منه موقفا عنيفا.

قال: لم؟

قلت: لأن الكنيسة تبنت أفكاراً ونظريات في علوم الجغرافيا والفلك والطب والأحياء وغيرها، وطبعتها بطابع القداسة مما جعلها جزءاً من الدين، فاعتبرت كل مخالفة لها مخالفة للدين.

قال: فاضرب لي على ذلك أمثلة تقنع بها قومك بصدق دعواك.

قلت: لقد ذكر محمد عبده في كتابه ( الإسلام والنصرانية مع العلم والمدنية) من مواقف الكنيسة ورجالها من التطور ما يثير العجب والدهشة.

فقد ذكر أن دي رومنيس جلب إلى روما وحبس حتى مات، ثم حوكمت جثته وكتبه فحكم عليها وألقيت في النار، ولك ذلك بسبب قوله:( إن قوس قزح ليست قوساً حربية بيد الله ينتقم بها من عباده إذا شاء، بل هي من انعكاس ضوء الشمس في نقط الماء )

ولما أظهر ( بلاج ) رأيه في أن الموت كان يوجد قبل آدم u أي أن الحيوانات كان يدركها الموت قبل أن يخطئ آدم بالأكل من الشجرة، قامت لذلك ضوضاء، وارتفعت جلبة، وانتهى الجدال إلى صدور أمر إمبراطوري بقتل كل شخص يعتقد ذلك الاعتقاد.

وقد أحدث القول بكروية الأرض اضطراباً شديداً في عالم المسيحية، مع أن المسلمين قد عرفوه منذ أول الخلافة العباسية، ولم تتحرك له شعرة من بدن، بل صار يذكر في كتب التفسير والتوحيد وغيرها بلا حرج.

ولما اكتشف بعض الأميركان تخدير المرأة عند الولادة، حتى لا تحس بألم الطلق، قامت قيامة القسس، لأنه يخلص المرأة من اللعنة أو العقوبة الأبدية التي سجلت عليها في التوراة في سفر التكوين. الإصحاح الثالث. ففيه:( وقال - أي الرب - للمرأة: تكثيراً أكثر أتعاب حملك، بالوجع تلدين أولاداً )

وعندما اكتشف المسلمون فى الآستانة طريقة طبية للحقن تحت الجلد، ثم نقلتها إلى أوربة سنة 1721 م امرأة تسمى ماري موناجو، ثار رجال الكهنوت وعارضوا في استعمالها، وعادت هذه الشدة في المعارضة عند اكتشاف طريقة التطعيم ضد الجدري.

وقد أُنشئت محكمة التفتيش في أوروبة لمقاومة العلم والفكر الحر، عندما خيف ظهورها بسعي تلامذة ابن رشد وتلامذة تلامذته. وخاصة في جنوب فرنسا وإيطاليا، وكان الذي طلب إنشاءها هو الراهب ( تور كماندا ).

وقد قامت هذه المحكمة الغريبة بأعمالها حق القيام، ففي 18 سنة، من سنة 1481 م إلى سنة 1499 م. حكمت على عشرة آلاف ومائتين وعشرين شخصاً بأن يحرقوا وهم أحياء، فأُحرقوا، وعلى 61860 بالشنق بعد التشهير فشهروا وشنقوا وعلى 97,023 بعقوبات مختلفة فنفذت ثم أحرقت كل توراة بالعبرية.

قال: فما هي النتيجة التي تحملتها الكنيسة لهذا التشدد؟

قلت: لقد ثارت الجماهير الهائجة على الكنيسة التي وقفت مع الجهل ضد العلم، ومع الخرافة ضد الفكر، ومع الملوك والنبلاء ضد الشعب، وقالت الجماهير قولتها:( اشنقوا آخر ملك بأمعاء آخر قسيس )

قال: فهل ترى الدين بعد هذا معارضا للتطور، أم داعية له؟

قلت: بل داعية له، فلو لم يكن فيه إلا ما فيه من حماية من الفقر واستدرار لفضل الله لكفى .. ولكن ما السبيل إليه؟

قال: أربعة أركان تحتاجها ويحتاجها قومك للتطور.

قلت: ما هي؟

قال: الحركة، والهمة، والسنن، والزمن.

قلت: فاشرحها لي.

قال: هذه أبوابها، فهلم لنجني منها ثمار معارفها.

الحركة

اقتربت من باب الحركة، فإذا به يتحرك حركات كثيرة مختلفة، وإذا عليه لافتة جميلة تتحرك بحركاته مكتوب عليها:) وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ ((النمل:88)

فقلت للمعلم: لا شك في أن هذا باب الحركة، فإني أراه يتحرك حركات مختلفة .. لست أدري هل هي منتظمة، أم عشوائية؟

قال: ليس هناك حركة عشوائية في الكون، بل كل ما في الكون منتظم ودقيق، ألم تسمع ما علق باللافتة، ألم تسمع قوله تعالى:) يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثاً( (لأعراف: من الآية54) )، ألم تسمع قوله تعالى:) وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ( (الانبياء:33)، ألم تسمع قوله تعالى:) وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ( (يّـس:38)

قلت: بلى، قد قرأت كل هذه الآيات، وحاولت فهمها بحسب ما زودنا به العلم الحديث من المعارف ..

قال: فلنبدأ حديثنا إذن عن الحركة من هنا.

قلت: ماذا تقصد؟

قال: هل الأرض مستقرة ثابتة ساكنة أم متحركة متدفقة بالحركة؟

قلت: لكأني بك يا معلم تريد أن تخوض ببي في الجدل الذي غرق فيه البعض من التساؤل عن مدى صحة حركة الأرض.

قال: وهل خيض في هذا؟

قلت: أجل.

قال: ومن خاض فيه؟

قلت: بعض علماء المسلمين.

قال: عجبا، كيف يقال هذا وقد وردت النصوص القرآنية المخبرة عن شكل الأرض والمنبئة عن حركتها، ألم تقرأ ما كتب على لافتة هذا الباب؟

قلت: بلى، فقد كتب عليها قوله تعالى:) وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ( (النمل: من الآية88)

قال: أتدري الأسرار المودعة في هذه الآية.

قلت: نحن نعرف الآن بعضها[27]، فمرور الجبال مر السحاب كناية واضحة علي دوران الأرض حول محورها‏,‏ وعلي جريها حول الشمس ومع الشمس‏,‏ لأن الغلاف الهوائي للأرض الذي يتحرك فيه السحاب مرتبط بالأرض بواسطة الجاذبية وحركته منضبطة مع حركة الأرض‏,‏ وكذلك حركة السحاب فيه‏,‏ فإذا مرت الجبال مر السحاب كان في ذلك إشارة ضمنية إلي حركات الأرض المختلفة التي تمر كما يمر السحاب‏.‏

قال: وقد دل على هذا المعنى نصوص أخرى، فالله تعالى يقول:) خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ ( (الزمر: من الآية5)

قلت: نعم، فهذه من الآيات التي يستدل بها العلماء على كروية الأرض، فمعنى ) يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ( أي يغشي كل واحد منهما الآخر كأنه يلفه عليه‏,‏ وهو وصف واضح الدلالة علي كروية الأرض‏,‏ وعلي دورانها حول محورها أمام الشمس‏.

وذلك لأن كلا من الليل والنهار عبارة عن فترة زمنية تعتري نصف الأرض في تبادل مستمر‏,‏ ولو لم تكن الأرض مكورة لما تكور أي منهما‏,‏ ولو لم تكن الأرض تدور حول محورها أمام الشمس ما تبادل الليل والنهار وكلاهما ظرف زمان وليس جسما ماديا يمكن أن يكور‏,‏ بل يتشكل بشكل نصف الأرض الذي يعتريه‏,‏ ولما كان القرآن الكريم يثبت أن الله تعالي يكور الليل علي النهار ويكور النهار علي الليل وهما فترتان زمنيتان تعتريان الأرض‏,‏ فلابد للأرض من أن تكون مكورة‏,‏ ولابد لها من الدوران حول محورها أمام الشمس‏.‏

ومن هنا كان التعبير القرآني بتكوير كل من الليل والنهار فيه إعلام صادق عن كروية الأرض‏,‏ وعن دورانها حول محورها أمام الشمس‏,‏ بأسلوب رقيق لا يفزع العقلية السائدة في ذلك الزمان التي لم تكن مستعدة لقبول تلك الحقيقة‏,‏ فضلا عن استيعابها‏.

قال: وهناك نصوص أخرى غير هذين النصين .. وليس مرادنا أن نتحدث عن هذا، فلهذا محله الخاص من دروس السلام .. ولكني أريد أن أبين لك ما لهذه المسألة من أهمية في السلوك والتربية.

قلت: يا معلم .. هذه النصوص لا علاقة لها بهذا المحل، فهي تذكر في مواضع تأمل خلق الله، أو البرهنة على صدق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بدليل الإعجاز.

قال: ويمكن أن تذكر في آلاف المواضع .. ألم أقل لك إن القرآن الكريم هو كتاب الحقائق .. حقائق الهداية وحقائق السلوك.

قلت: فما نستفيد من هذه الآيات في هذا الموضع؟

قال: ماذا ينتج عن حركة الأرض؟

قلت: حياة الأرض مرتبطة بحركتها، فلو جمدت لحظة واحدة لصارت من الضعف بحيث يلتهمها هذا الفضاء العظيم.

قال: وكذلك أنتم لما قعدتم عن التطوير، وسكنتم لموروثاتكم تنهلون منها من غير محاولة لفهمها أو لتطويرها تحركت جميع شموس الأرض لتلتهمكم.

قلت: وقد وقع بذلك ما أخبر عنه - صلى الله عليه وسلم - بقوله:( يوشك أن تداعى عليكم الأمم من كل أفق، كما تداعى الأكلة إلى قصعتها ) قيل:( يا رسول الله فمن قلة يومئذ )، قال:( لا، ولكنكم غثاء كغثاء السيل، يجعل الوهن في قلوبكم وينزع الرعب من قلوب عدوكم لحبكم الدنيا وكراهيتكم الموت )[28]

قال: فماذا قال العلماء في قوله تعالى:) فَلا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ إِنَّا لَقَادِرُونَ( (المعارج:40)

قلت: لقد قرأت تفاسير جميلة من علماء عصرنا، منها ما ذكره زغلول النجار بقوله في تفسير الآية:( المشرق هو جهة طلوع الشمس‏,‏ والمغرب جهة غيابها‏,‏ ووجود كل من المشرق والمغرب يؤكد كروية الأرض‏,‏ وتبادلهما يؤكد دورانها حول محورها أمام الشمس من الغرب إلي الشرق‏,‏ ففي الوقت الذي تشرق فيه الشمس علي جهة ما من الأرض تكون قد غربت في نفس اللحظة عن جهة أخري‏,‏ ولما كانت الأرض منبعجة قليلا عند خط الاستواء كانت هناك قمة عظمي للشروق وأخري للغروب‏ )رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِب( (الشعراء: من الآية28),‏ ولما كانت الشمس تشرق علي الأرض في الفصول المختلفة من نقاط مختلفة‏,‏ كما تغرب عنها من نقاط مختلفة‏، وذلك بسبب ميل محور دوران الأرض بزاوية مقدارها‏23,5‏ درجة علي مستوي فلك دورانها حول الشمس‏,‏ كانت هناك مشارق عديدة‏,‏ ومغارب عديدة‏ (‏ رب المشارق والمغارب‏),‏ وكانت هناك نهايتان عظميان لكل من الشروق والغروب‏ )‏ رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ( (الرحمن:17)

وينتشر بين هاتين النهايتين العظميين نقاط متعددة لكل من الشروق والغروب علي كل من خطوط الطول وخطوط العرض‏,‏ وعلي مدار السنة‏,‏ لأن دوران الأرض حول محورها أمام الشمس يجعل النور المنبثق عن ضوء هذا النجم ينتقل علي سطح الأرض الكروي باستمرار من خط طول إلي آخر محدثا عددا لا نهائيا من المشارق والمغارب المتعاقبة في كل يوم‏.‏

قال: فما الفائدة من هذه الحركات التي أشار إليها القرآن الكريم غير ما ذكرت؟

قلت: ينتج عن ذلك تعاقب الليل والنهار‏,‏ وتبادل الفصول المناخية‏,‏ فلو ثبتت الأرض لم يحصل هذا التعاقب في الفصول والمناخ.

قال: وهذا ما نريده، فالحركة هي التي أعطت للأرض هذه النعم التي تزخر بها، والتي هي وليدة الليل والنهار وتعاقب الفصول.

قلت: فما الفائدة السلوكية من هذا، وما علاقتها بالحركة، ثم ما علاقة الحركة بالتطوير؟

قال: ألم نقل: إن المؤمن الذي يرى نفسه خليفة لله يتخلق بأخلاق الله في خلقه، فكما أن الأرض لم تنتظم حياتها إلا بحركتها، وانتقالها من حالة إلى حالة، وعدم ثباتها على حالة واحدة، فكذلك حياة الإنسان تموت إن لم ينتقل صاحبها من طور إلى طور، فالثبات موت، والحركة حياة.

قلت: نعم .. لقد ذكرني كلامك هذا بما قال علماء الجيولوجيا عن أصل الأرض، وأنها كانت منذ 200 مليون سنة عبارة عن كتلة واحدة تسمى بانجيا، وكانت تلك الكتلة في بداية تفتتها، أي في بداية الانجراف القاري.

ومنذ 135 مليون سنة تفتتت أجزاء البانجيا إلى كتلة أرضية شمالية تسمى لوراسيا، كونت الهند مساحة منفصلة، والكتلة الأرضية الجنوبية عُرفت باسم جوندوانالاند.

ومنذ 65 مليـون سـنة بـدأت الكتـل الأرضيـة تشـكـّل القـارات المعروفـة بأشـكالها الحالية. وكـانت تلـك القارات تتحرك في اتجاه مواقعها الحالية، ولم تكن الهند قد التصقت بعد بآسيا.

قال: فلو أن ما تسمونه بالبانجيا لم تتحرك لتتتشكل القارات، أكان يمكن للأرض أن تصير بهذه الصورة؟

قلت: لا.

قال: فقد جعل الله تعالى بحكمته ورحمته لطفه ورزقه في ضمن الحركة، ولهذا قال - صلى الله عليه وسلم -:( لو أنكم تتوكلون على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير تغدو خماصا وتروح بطانا )[29]

قلت: فما علاقة الحركة بالتطوير؟

قال: الحركة هي أصل التطوير، ومنبعه، فالخامل لا يفكر في أن يتطور، بل يرضى بما هو عليه، بل يحسب التطور عبئا يثقل ظهره بالمسؤوليات.

قلت: نحن نتحدث عن السعي للخروج من التخلف والفقر يا معلم.

قال: ونحن نتحدث عن باب التدريب من أبواب السعي، وهو الباب الذي يعرف العاملين كيف يتعاملون مع قوى الكون لاستغلالها والاستفادة منها، والعامل الخامل الراضي بما هو فيه، الذي لا يحاول التغيير، ولا يفكر في التغيير عامل ميت مصيره إلى الفقر، ومصير جهده الفشل.

قلت: ولكن الثبات محمود ..؟!

 قال: الثبات على الحق والمبدأ، لا ثبات الماء الآسن ..

ثم التفت إلي، وقال: أتعلم الأسرار المودعة في أمره - صلى الله عليه وسلم - بعدم تأبير النخل.

قلت: أتقصد ما روي أنه - صلى الله عليه وسلم - مر بقوم يلقحون النخل، فقال:( لو لم تفعلوا لصلح ) قال الراوي: فخرج شيصا، فمر بهم، فقال:( ما لنخلكم؟) فقالوا:( قلت كذا وكذا )، قال:( أنتم أعلم بأمور دنياكم  )[30]

قال: نعم، فهو بحر من بحار العلم والسلوك.

قلت: يستدل العلماء بهذا الحديث عادة على أن النبي - صلى الله عليه وسلم - جاء ليخبر عن أحكام الدين لا عن أحكام الدنيا.

قال: بل في هذا الحديث حكم من أحكام الدنيا، وأصل من أصولها، بل هو الأصل الذي قام عليه التطور في عصركم.

قلت: عجبا،كيف هذا، فلا أرى هذا؟

قال: لقد مر النبي - صلى الله عليه وسلم - كما ورد في رواية أخرى للحديث،  وهي أكثر دقة من الرواية التي ذكرتها بقوم على رؤوس النخل، فسأل:( ما يصنع هؤلاء؟)، فقالوا:( يلقحونه ) ثم فسروا ذلك بكونهم يجعلون الذكر في الأنثى، فقال - صلى الله عليه وسلم - ـ بصيغة الظن من غير أن يتحدث مع المؤبرين ـ:( ما أظن ذلك يغني شيئا )، فأخبر المؤبرون بما قال النبي - صلى الله عليه وسلم - فتركوا التأبير، فحصل ما حصل.

قلت: فما في هذا الحديث من الدنيا؟

قال: ألا تعلم أن جميع المكتشفات والمخترعات تنطلق من الشك؟

قلت: أجل، فالشك ـ كما يقال ـ هو طريق اليقين، ومن لم يشك لم يتيقن 

قال: وهذا في كل الميادين.

قلت: ولكن هؤلاء القوم الذين تركوا التأبير تضرروا بعدم تأبيرهم ذلك العام.

قال: ولكنهم استفادوا فائدة مهمة وهي أنهم لو لم يؤبروا لما أنتجت نخيلهم.

قلت: ولكنهم كانوا يفعلون ذلك.

قال: كانوا يفعلونه تقليدا .. والتقليد لا علاقة له بالعلم .. ثم لماذا لا ننظر إلى المسألة من زاوية أخرى .. وهي الزاوية التي كان ينظر من خلالها النبي - صلى الله عليه وسلم - دائما.

قلت: أي زاوية؟

قال: زاوية الفأل.

قلت: نعم، فقد كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يحب الفأل ويكره الطيرة .. وكان لتفاؤله الأثر الكبير في نجاح المهمة التي وكلت إليه.

قال: فهذا من ذاك، فقد رأى النبي - صلى الله عليه وسلم - الجهد الذي يعانونه في التأبير، فتساءل ـ كما يتساءل الخبراء ـ عن مدى جدوى ذلك الجهد، خاصة وأن الكثير من الجهود التي تضيع أوقات العامة يذهب معظمها في اللاشيء، فقال ما قال .. ثم لنفرض أن ما كان يفعله أولئك القوم من التأبير كان جهدا لا مبر له، وأن النخيل قد حصل لها من غير تأبير ما كان يحصل لها.

قلت: حينذاك ستكون النتيجة عظيمة، بل سيفرح الفلاحون في جميع أقطار العالم عندما ينزاح عن كواهلهم هذا العبء.

قال: فقارن بين خسارة أفراد معدودين سنة واحدة ثمرات بعض النخلات مع النتيجة التي قد يحصل عليها الملايين من الناس في كل أقطار الأرض في جميع الآماد.

قلت: لا وجه للمقارنة، فالخسارة ضئيلة محتملة، أما الأرباح .. ولكنها لم تقع.

قال: ألم نقل بأن الفأل هو طريق النجاح .. فعدم الوقوع في حالة من الحالات لا يعني عدم الوقوع مطلقا؟

قلت: فالنبي - صلى الله عليه وسلم - ينبه إذن الزارعين ..

قال: بل ينبه جميع الخاملين في العالم إلى الحركة الدؤوبة للترقي والتطور في جميع ميادين الحياة، فلا ينهض بأعباء الحياة من يسكن في عالم مملوء بالحركة[31]، بل لا يكف عن الحركة.

قلت: لقد أزحت عن نفسي شبهة لطالما زرعها المشككون في النفوس الضعيفة، فهم يستغلون هذا الحديث لبث الشبه في نفوس الناس.

قال: ألا تعلم أن من رحمة الله أن تلك النخيل لم تنتج ذلك العام؟

قلت: كيف .. لقد تخلف بعدم إنتاجها ما أخبر النبي - صلى الله عليه وسلم - عنه.

قال: ولكن كل ما أخبر عنه النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يتخلف، وكل ذلك يكفي، أما في هذا الموضع فإنه لو لم يتخلف ما ظنه النبي - صلى الله عليه وسلم - ما استفدنا كل هذه الفوائد، بل لاعتبرنا الأمر لا يختلف عن أي خارقة أخبر عنها - صلى الله عليه وسلم - بإخبار الله إياه.

 

الهمة

اقتربت مع المعلم إلى باب آخر من أبواب التطوير، مكتوب عليه:) رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتاً فِي الْجَنَّةِ( (التحريم: من الآية11)

فتعجبت من هذه الكتابة، فقلت للمعلم: ما محل هذه الآية هنا؟

فقال: هذه الآية آية الهمم العالية.

قلت: وما الهمم العالية؟

قال: هي الهمم التي لا تتوقف عندها المطالب، ولا تنقضي عندها الحاجات، ولا تسكن إلى شيء، ألم تقرأ ما قال ابن عطاء الله في حكمه.

قلت: تقصد قوله:( لا ترحل من كون إلى كون، فتكون كحمار الرحى يسير، والذي ارتحل إليه هو الذي ارتحل منه، ولكن ارحل من الأكوان إلى المكون )

قال: نعم، فهذه حكمة جليلة تبين غاية الحركات ومنهجها، وقد كانت تتمثل في صدر امرأة فرعون عندما رفعت يديها بهذا الدعاء.

قلت: لقد قال العلماء: إنها اختارت الجار قبل الدار، فلم تقل:( ابن لي بينا في الجنة )، بل قالت:) رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتاً فِي الْجَنَّةِ( (التحريم: من الآية11)

قال: وتلك هي الهمة العالية، فلا يكفي أن تتحرك، فكل شيء يتحرك، وإنما اجعل حركتك منتظمة كحركة الوجود، لتصل إلى حقائق الوجود، وتسخر ما تحتاجه من الوجود.

قلت: فالحركة ليست مقصودة لذاتها إذن.

قال: وحركة كل شيء ليس مقصودة لذاتها، ألم تسمع قوله تعالى:) وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى( (لنجم:42)، ألم تسمع قوله تعالى:) وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ( (يّـس:38)

قلت: فما المقصد إذن؟

قال: المقصد هو الترقي، ألسنا في أبواب التطور، فمن رضي بحالته وسكن لها، ولم يتحرك في سبيل تغييرها لا يحق له دخول هذه العوالم، ألم تسمع ما روي عن عمر بن عبد العزيز t عندما تغير حاله بعد توليه الخلافة، فقد كان قبلها تشترى له الحلة بألف دينار، فيقول:( ما أجودها لولا خشونة فيها!) فلما استخلف، فكان يشترى له الثوب بخمسة دراهم فيقول:( ما أجوده لولا لينه ) فقيل له:( أين لباسك ومركبك وعطرك يا أمير المؤمنين؟)، فقال:( إن لي نفسا ذواقة، وإنها لم تذق من الدنيا طبقة إلا تاقت إلى الطبقة التي فوقها حتى إذا ذاقت الخلافة، وهي أرفع الطباق، تاقت إلى ما عند الله عز وجل )

قلت: رحمه الله فقد رفعته همته إلى آفاق عليا من الكمال لا نزال نحلم بها، وليت من ولي أمرنا يرتقي إليها، أو يتوق إليها.

قال: وبم يحلم من ولي أمركم، ولم يطمح؟

قلت: من ولته الأمة أمرها عاما يود لو أضاف أعواما، فإن استقر به المقام طمحت همته لأن يولي ولده، فإن استقر له كل ذلك قام بنزع كل شوكة قد تؤذي من يستخلفه من المعارضين والمخالفين.

قال: ثم تتساءلون عن أسباب فقركم .. فكيف يتفرغ الحاكم لإصلاح الرعية إن انشغل بنفسه!؟

قلت: فالطريق إذن هي الثورة .. لا حل غيرها.

قال: أنسيت أنك تتعلم السلام .. ثم قل لي ماذا تجدي الثورة، سيقتل بعضكم بعضا، وسترتد بلادكم والقهقرى، وسيتضاعف عدد الفقراء، وسينتقل الحاكم بعدها من حاكم له مجلس شورى إلى دكتاتور يقمعكم بقوانين الطوارئ.

قلت: فالحل البسيط إذن أن نسأل الحاكم في أول يوم يتولاه عن طموحاته جميعا، ونعاهده على السمع والطاعة لها، ونشترط عليه أن يتفرغ لنا.

قال: انصحهم بذلك، فذلك أصلح لكم، ولكن لا أراهم يستجيبون.

قلت: لم، وقد تحقق لهم كل ما يريدون من غير أي عناء.

قال: وأين لذة النصر التي يذوقونها يوم يقضون على أعدائهم واحدا واحدا، ويتم لهم الأمر؟

قلت: وما الحاجة إلى ذلك؟

قال: ألم أقل لك: إن الصراع لا يشتهي السلام، وإن النفس المريضة المظلمة لا ترضى لبصيص النور أن يشع في جوانبها.

قلت: فما الحل؟

قال: الهمة، فهي مبدأ السلام، كما أنها مبدأ الترقي.

قلت: وما الهمة، وكيف أتحقق بها؟

قال: الهمة هي أن تكون مطالبك من الله بقدر جوده، ومن الكون بقدر سعته، ومن الحقيقة بقدر جمالها .. فلا تقنع بما يقنع به الكسالى المخلدون إلى الأرض.

قلت: لكأني بك تشير إلى قوله تعالى:) وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ( (لأعراف:176)

قال: نعم، فهذا الأحمق المغفل باع رضوان الله، والرفعة التي أوتيها بالعلم ببعض الدنيا لا ينفعه وجوده ولا يضره فقده، فصار بعد أن كان في علياء العلماء يشبه بالكلب، بل يشبه بالكلب اللاهث وراء السراب.

قلت: يا معلم، لكأنك تذكرني بنفر من قومي صرفت عليهم أموال الشعب الطائلة، فلما ارتووا من علم بلدهم، أرسلهم الشعب إلى بلدان أخرى ينهلون من علمها، فلما ذهبوا وأنسوا بأجوائها سكنوا فيها وإليها، وعافوا أن يعودوا إلى بلادهم.

قال: فذكرهم بما فعل ( تاكيو أو ساهيرا )

قلت: ما هذا الاسم الغريب، وفي أي أمة من الأمم .. وأخيرا سنسمع أخبار الأمم السوالف، وسنرتوي من تواريخهم .. هات ..  يا معلم .. حدثنا..

قال: ما أغربكم، وما أغرب ولعكم بالأساطير .. إن ( تاكيو أو ساهيرا) رجل منكم معاصر لكم.

قلت: فكيف علمت به؟

قال: علمت به لهمته العالية، ولولا همته العالية ما شغلت نفسي به كما لم أشغلها بكثير من أبناء جلدتك.

قلت: فحدثني عن خبره.

قال: هذا رجل كتب له أن يغير تاريخ أمته، ويجعلها في مقدمة الأمم، إنه رجل ابتعثته اليابان إلى هامبورغ بألمانيا لدراسة أصول الميكانيك العلمية، وكانت كل أمنيته أن يتمكن من صناعة محرك صغير، ولكنه فوجئ بأن أساتذته في الجامعة يكتفون بتدريس الأمور النظرية فقط، وكان على وشك أن ينال شهادة الدكتوراه، ولكنه لهمته العالية لم يقتنع بتلك الدرجة العلمية..لقد كان طموحه أعظم من أن يحصره في ورقة مزخرفة يعلقها على جدار بيته، أو يتغير لقبه الاجتماعي بدلها.

قلت: مثل هذا قد ينعته قومي بالأحمق .. كيف يرضى أن يترك الانشغال بهذه الشهادة التي تقدم صاحبها في المحافل؟، بل تحول من نهيقه صوت عنادل، ومن زئيره سلام غزلان.

قال: لكنه كان في منتهى الذكاء والفطنة، لقد رأى زملاءه المستغرقين في ملء ما تتطلبه تلك الدرجة من صفحات كما يرى الكبير انشغال الأطفال بما تتطلبه ألعابهم من تصرفات.

قلت: فما الذي فعله، بدل انشغاله بالدكتوراه؟

قال: لقد ظل يبحث عن حل للغز المحرك .. وفي يوم من الأيام طالع خبراً في إحدى الصحف يتحدث عن معرض لمحركات إيطالية الصنع، وبسرعة توجه للمعرض، وهناك اشترى محركاً بكل راتبه.

قلت: وهذه هي التضحية، وهي عندنا قد تكون مرادفة للغباء.

قال: وعندما وضعه على المنضدة بحجرته أخذ يقول لنفسه:( هذا هو سر قوة أوروبا لو استطعت أن أصنع محركاً كهذا، لغيرت اتجاه تاريخ اليابان )

قلت: فهو لم يفكر في نفسه إذن، بل كان يفكر في قومه.

قال: وهذا من الهمة العالية أيضا، فصاحب الهمة العالية لا يرضى بأن ينجح هو ويرسب غيره، ولا أن يحيا هو ويموت غيره.

قلت: لقد ذكرتني بعبد الله بن حذافة السهمي  t، فعن ابن عباس t قال: أسرت الروم عبد الله بن حذافة السهمي، صاحب النبي - صلى الله عليه وسلم -، فقال له الطاغية: تنصّر وإلا ألقيتك في البقرة، لبقرة من نحاس، قال: ما أفعل. فدعا بالبقرة النحاس فملئت زيتاً وأغليت، ودعا برجل من أسرى المسلمين فعرض عليه النصرانية، فأبى، فألقاه في البقرة، فغذا عظامه تلوح، وقال لعبد الله: تنصّر وإلا ألقيتك. قال: ما أفعل. فأمر به أن يلقى في البقرة فبكى، فقالوا: قد جزع، قد بكى: قال ردوه. قال: لا ترى أني بكيت جزعاً مما تريد أن تصنع بي، ولكني بكيت حيث ليس لي إلا نفسٌ واحدة يفعل بها هذا في الله، كنت أحب أن يكون لي من الأنفس عدد كل شعر في، ثم تسلّط علي فتفعل بي هذا. قال: فأعجب منه: وأحبّ أن يطلقه، فقال: قبل رأسي وأطلقك. قال: ما أفعل. قال تنصّر وأزوجك بنتي وأقاسمك ملكي. قال: ما أفعل. قال قبل رأسي وأطلقك وأطلق معك ثمانين من المسلمين. قال: أما هذه فنعم. فقبّل رأسه، وأطلقه، وأطلق معه ثمانين من المسلمين. فلما قدموا على عمر بن الخطاب قام إليه عمر فقبل رأسه، قال: فكان أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -  يمازحون عبد الله فيقولون: قبلت رأس علج، فيقول لهم: أطلق الله بتلك القبلة ثمانين من المسلمين.

قال: كل إخوانه كانوا مثله على قلب رجل واحد، ولولاه ما تم لهم ما تم من النصر والتمكين.

قلت: اعذرني على المقاطعة .. واصل حديثك عن خبر ذلك الياباني.

قال: بعد أن اشترى  ( تاكيو أو ساهيرا ) المحرك بدأ العمل الدؤوب، وكان عليه أن يفك كل أجزاء المحرك، ويرسمها، ثم يعيد تركيبه من جديد بحيث يعمل مرة ثانية ..

وبعد ثلاثة أيام من الجهد المضني كان له ما أراد، واشتغل المحرك، فكاد قلبه يقف من الفرح، وأبلغ رئيس بعثته بالنبأ السار، فطلب منه إصلاح محرك متعطل، وقد استطاع بعد عشرة أيام من العمل المتواصل أن يصلح المحرك، وكان عليه بعد ذلك أن يصنع أجزاء المحرك بنفسه، ولهذا التحق بمصانع لصهر الحديد والنحاس والألومنيوم.

قلت: أرضي لنفسه أن يلتحق بهذه المصانع بدل التدريس في مدرجات الجامعات.

قال:  لقد ارتدى البدلة الزرقاء، وراح يخدم عامل صهر المعادن الذي يعلمه رغم أنه من أسرة يابانية عريقة ( أسرة ساموراي )، لقد ظل أو ساهيرا في عمله وتعلمه هذا لمدة ثماني سنوات، كان يعمل خلالها ما بين عشر وخمس عشرة ساعة في اليوم.

قلت: فهل كوفئ على هذا الجهد المتواصل العظيم.

قال: صاحب الهمة العالية لا ينتظر المكافآت، ولا تحركه المكافآت، ومع ذلك، فقد علم إمبراطور اليابان بأمره، فأرسل له من ماله الخاص خمسة آلاف جنيه إنجليزي ذهباً.

قلت: هذه مكافأة عظيمة تكفيه لشراء سيارة وبناء بيت.

قال: أهذه كل أحلامكم، وهذا منتهى همتكم، لقد اشترى ( تاكيو أوساهيرا ) بها أدوات مصنع محركات كاملة وآلات وشحنها لليابان من راتبه ومن كل ما ادخره، وعند وصوله إلى ناغازاكي أخبر بأن الإمبراطور يريد مقابلته، فاعتذر قائلاً:(  لن أستحق مقابلته إلا بعد أن أنشئ مصنع محركات كامل )

قلت: لقد ذكرتني بقول يوسف u عندما طلبه الملك:) ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ( (يوسف: من الآية50)

قال: لقد كان يوسف u يطمح لأن يولى خزانة مصر لينقذها وينقذ البلاد المحيطة بها من شر المجاعة المتوقعة، فلذلك طلب أن تبرأ ساحته، حتى لا يصير عرضة لانتقادات الخصوم، ولولا ذلك ما رضي أن تفضح المرأة، ولا أن تستدعى للمحاكمة.

قلت: ألهذا إذن قال - صلى الله عليه وسلم -:( .. ولو لبثت في السجن ما لبث يوسف لأجبت الداعي )[32]، وفي رواية:( لو كنت أنا لأسرعت الإجابة وما ابتغيت العذر )[33]

قال: أجل، فالضرورة التي استدعتها المصلحة العامة هي التي ألحت على يوسف u في طلب العذر، ولولاها ما طلبه.

قلت: فواصل حديثك عن صاحب الهمة الياباني.

قال: كان لهذا الشاب ما أراد بعد تسع سنوات من العمل المتواصل والجهد الجبار، وعندما سمع الإمبراطور أصوات أول محركات من صنع اليابان فقط تبسم قائلاً:( هذه أعذب موسيقي سمعتها في حياتي، صوت محركات يابانية خالصة )

وهكذا استطاع تاكيو أو ساهيرا أن يحقق حلم حياته، وأن ينقل قوة الغرب إلى موطنه الغالي[34].

قلت: فما السبيل إلى الهمة .. ألسنا نتعلم السلام العملي؟

قال: أربعة أركان لا تقوم الهمة ولا تتحقق إلا بها.

قلت: فما هي؟

قال: ستعرفها عندما نرحل إلى القوى العظمى، فإن لحديثها شؤونا.

قلت: ومتى نرحل إلى القوى العظمى .. فإني مشتاق لزيارة مدن أميركا وأوروبا.

قال: ماذا تقصد؟

قلت: القوى العظمى.

قال: أنت لا تفهم ما القوى العظمى.

قلت: فاشرحها لي.

قال: عندما يحين حينها.

قلت: ومتى يحين حينها؟

قال: عندما تقهر أسباب الضعف من نفسك.

قلت: لقد قهرت تنين الألم، وقهرت غول الفقر، وأنا الآن أحاول أن أقهر شبح التخلف.

قال: ولا زالت غيلان أخرى في انتظارك، ولا يمكنك أن تصل إلى القوى العظمى قبل قهرها.

السنن

اقتربت مع المعلم إلى باب آخر من أبواب التطوير، مكتوب عليه:) وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلاً( (الأحزاب: من الآية62)

فقلت للمعلم: لا شك أن هذا هو باب السنن، فالآية المكتوبة على لافتته تشير إليه.

قال: نعم، فالسنن مفتاح من مفاتيح التطوير، كما أنها مفتاح من مفاتيح الكمال.

قلت: فما السنن؟ وماذا نفتح بها؟ وكيف نتعرف عليها؟

قال: هذا بحث طويل، فلا تتخل عن السنن عندما تريد أن تبحث عن السنن.

قلت: فما سنن البحث عن السنن؟

قال: التأني، وعدم الاستعجال، ألم تسمع قوله تعالى:) لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ( (القيامة:16)

قلت: بلى، فلنبدأ أولا من ربط السنن بما قبلها من أبواب التطوير.

قال: من أراد أن يتطور يبدأ أولا بنفسه، فيحركها من خمولها، ويوقظها من غفلتها، ويقطع عنها نوم الجمود الذي استحلته.

قلت: لقد عرفنا هذا في باب الحركة.

قال: وهو باب من أبواب السنن، فقد قال تعالى معبرا عن هذه السنة:) إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ ( (الرعد: من الآية11)، وقال معبرا عنها:) أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ( (آل عمران:165)

قلت: فإذا جاوز باب الحركة؟

قال: فإذا تم له ذلك، واستيقظت نفسه، وتحركت طالبها بالحركة المنظمة الهادفة الصحيحة.

قلت: وقد عرفنا ذلك في باب الهمة.

قال: وهي باب من أبواب السنن، فلا يمكن أن يتحقق أي نجاح بلا همة، ألم تسمع قوله تعالى:) فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتَابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الْأَدْنَى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثَاقُ الْكِتَابِ أَنْ لا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ وَدَرَسُوا مَا فِيهِ وَالدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلا تَعْقِلُونَ( (لأعراف:169)

قلت: فالله ينعى عليهم تمسكهم بالأدنى، وانشغالهم به، وقعودهم عن طلب المعالي، ثم تصورهم أنهم سيصلوا إليها بقعودهم.

قال: ولكن سنن الله تأبى عليهم ذلك، ألم يقل الله تعالى:) لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ وَلا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيّاً وَلا نَصِيراً( (النساء:123)

قلت: فإذا ما جاوز باب الهمة؟

قال: فإذا تم له ذلك احتاج إلى أن يتعامل مع الأشياء ليطورها.

قلت: نعم، فالتطوير يحتاج إلى ذلك.

قال: وحينذاك يقع بين أمرين: إما أن يلجأ إلى السنن الإلهية يتعرف عليها ويستنبط منها ما يحتاجه فيتعامل وفقها، وإما أن يحاول خرقها، إرضاء لهمته العالية، فتطحنه سنن الله التي طحنت كل من يخالفها، ألم تقرأ ما كتب على لافتة الباب؟

قلت: بلى، قوله تعالى:) وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلاً( (الأحزاب: من الآية62)

قال: فكل من تجرأ على خرق قوانين الله حاق به ما حاق بكل من خرق القوانين.

قلت: أتقصد أن خرق قوانين الله يؤدي إلى نفس العقوبات التي تطبق على من يخرق قوانين البشر.

قال: بفارق بسيط وعظيم، وهو أن عقوبات الله بعدل ورحمة، بخلاف عقوباتكم، فهي جور وقسوة.

قلت: كيف ذلك؟

قال: أما علاقة عقوبات الله بالرحمة، فلها تفاصيل كثيرة، ستعرفها في دروس ( أسرار الأقدار )، أما علاقتها بالعدل، فقل لي: لو أنك وضعت يدك على تيار كهربائي، ماذا يحصل لك؟

قلت: لا شك أنه سيصعقني وسيؤذيني.

قال: فلو وضع أعظم أهل الأرض جاها،وأكثرهم جيوشا يده عليه، فهل يحل به ما حل بك؟

قلت: لا شك في ذلك، فلا علاقة لجيوشه ولا قواه بذلك؟

قال: فهذه سنة من سنن الله استوى فيها الوجيه والوضيع .. وذلك هو العدل.

قلت: لم أفهم.

قال: إن الله تعالى جعل بحكمته للتيار الكهربائي هذه الخاصية عند ملامسة الأجساد له، وهي بذلك قانون من قوانين الكون اللامتناهية، فهي تطبق على الجميع بلا استثناء.

قلت: إلا إذا شاء الله أن يخرقها لمن شاء كما خرق قانون الحرق لإبراهيم u.

قال: حتى ذلك الخرق لم يجعله الله تعالى خرقا مطلقا، بل هو ضمن سنن الله.

قلت: كيف؟

قال: المعجزة هي تحقق شيء على خلاف العادة، بأسباب العادة، لأنها ليست أسبابا حقيقية.

قلت: كيف؟ لم أفهم.

قال: سنضرب مثال النار الذي ذكرته، وسنبين أنه مع كونه خارقة إلا أنه ينتظم سنة من سنن الله، وسنن الله لا تبدل.

قلت: أنت تريد أن تقلب الحقائق.

قال: بل ما أقوله هو الحقائق، وسأترك لشرح هذا المعنى رجلا فتح الله عليه باب الفهم في سنن الله وباب الاستفادة منها ليشرح لك هذا المعنى.

التفت فإذا ببديع الزمان أمامي يبتسم، وكأنه سمع الحوار الذي كان يدور بيننا، فقال: أتتحدثون عن قوله تعالى:) قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْداً وَسَلاماً عَلَى إِبْرَاهِيمَ( (الانبياء:69)

قلت: بلى، وقد أرشدني معلم السلام إليك لتفسر لي عدم خرق هذا الأمر الإلهي لسنة الإحراق في النار.

قال: هذه الآية الكريمة تبين معجزة سيدنا ابراهيم u، وفيها ثلاث اشارات لطيفة:

أولاها: النار - كسائر الاسباب - ليس أمرها بيدها، فلا تعمل كيفما تشاء حسب هواها وبلا بصيرة، بل تقوم بمهمتها وفق أمر يُفرض عليها، فلم تحرق سيدنا ابراهيم لأنها أُمرت بعدم الحرق.

ثانيتها: ان للنار درجة تحرق ببرودتها، أي تؤثر كالاحتراق. فالله سبحانه يخاطب البرودة بلفظة )سَلاماً( بأن لا تحرقي انتِ كذلك ابراهيم، كما لم تحرقه الحرارة. أي أن النار في تلك الدرجة تؤثر ببرودتها كأنها تحرق، فهي نار وهي برد.

نعم إن النار - كما في علم الطبيعيات - لها درجات متفاوتة، منها درجة على صورة نار بيضاء لا تنشر حرارتها بل تكسب مما حولها من الحرارة، فتجمد بهذه البرودة ما حولها من السوائل، وكأنها تحـرق ببرودتــها. وهكـذا الزمهــرير لـون من ألوان النار تحرق ببرودتها، فوجوده اذن ضروري في جهنم التي تضم جميع درجات النار وجميع أنواعها.

ثالثتها: مثلما الايمان الذي هو (مادة معنوية) يمنع مفعول نار جهنم، وينجي المؤمنين منها. وكما أن الاسلام درع واقٍ وحصن حصين من النار، كذلك هناك (مادة مادية) تمنع تأثير نار الدنيا، وهي درع أمامها، لأن الله سبحانه يجري اجراءاته في هذه الدنيا - التي هي دار الحكمة - تحت ستار الاسباب وذلك بمقتضى اسمه (الحكيم)، لذا لم تحرق النار جسم سيدنا ابراهيم u مثلما لم تحرق ثيابه وملابسه ايضاً.

قلت: كأنك تشير إلى أن هذه الآية تحمل معنى يحث البشر على التغلب على قوة الإحراق في النار، باعتبار أن قوة إحراقها قوة مخترقة.

أو بتعبير آخر تريد أن تقيس القوة المادية على التغلب على النار بالقوة المعنوية .. هذا قياس بديع .. ولكنه مع ذلك قياس ..

قال: هذه الآية تقول لهذه الأمة:( يا ملة ابراهيم! اقتدوا بابراهيم! كي يكون لباسكم لباس التقوى، وهو لباس ابراهيم، وليكون حصناً مانعاً ودرعاً واقياً في الدنيا والآخرة تجاه عدوكم الاكبر، النار، فلقد خبأ سبحانه لكم مواداً في الارض تحفظكم من شر النار، كما يقيكم لباس التقوى والايمان الذي ألبستموه أرواحكم، شر نار جهنم.. فهلموا واكتشفوا هذه المواد المانعة من الحرارة واستخرجوها من باطن الارض والبسوها )

قلت: بالفعل لقد اكتشفت مواد كثيرة لها القدرة على التغلب على قوة النار الحارقة، ولا زال التطوير مستمرا، وهو بذلك يوفر فرصا كبيرة لرجال المطافئ.

قال: وهكذا وجد الإنسان حصيلة بحوثه واكتشافاته مادة لا تحرقها النار، بل تقاومها فيمكنه أن يصنع منها لباساً وثياباً.

فقارن هذه الآية الكريمة، وقس مدى سموها وعلوها على اكتشاف الانسان للمادة المضادة للنار، واعلم كيف انها تدل على حلة قشيبة نسجت في مصنع ) حنيفاً مسلماً( لا تتمزق ولا تخلق وتبقى محتفظة بجمالها وبهائها الى الأبد.

قلت للمعلم: هذا فتح جديد في فهم القرآن الكريم، ألا يمكن أن يعتبره إخواننا الحريصون على صفاء الشريعة والذابون عن سنة المصطفى - صلى الله عليه وسلم - بدعة، فقد قال - صلى الله عليه وسلم -:( من قال في القرآن برأيه فليتبوأ مقعده من النار )، وفي رواية:( من قال في القرآن بغير علم فليتبوأ مقعده من النار )[35]

قال: لا لم يقصد النبي - صلى الله عليه وسلم - هذا، بل ذلك الرأي المجرد عن العلم، أما الإشارات القرآنية فهي من سماع كلام الله، والله أمرنا بسماع كلامه لا مجرد قراءته .. قل لي لو كان الأمر كما يزعمون أو كما يفهمون ما يعني قول علي t:( لو شئت لأوقرت سبعين بعيرا من تفسير فاتحة الكتاب ) فما معناه وتفسير ظاهرها في غاية الاقتصار .. وما معنى قول أبي الدرداء t:( لا يفقه الرجل حتى يجعل للقرآن وجوها ) .. وما معنى قول ابن مسعود t:( من أراد علم الأولين والآخرين فليتدبر القرآن )

وأسئلة كثيرة سنطرحها للهؤلاء في ( رقية السلام ) ليجيبوا عنها.

قلت: فالقرآن الكريم إذن لا يقصد بذكر المعجزات كونها أدلة للنبوة فقط؟

قال: بل ذلك هو مقصده الأصلي، فالمقصد الأصلي هو ظاهر القرآن الكريم، ولكن لا يمنع ذلك الظاهر من فهم قد يطرق سمع امرئ يفتح الله عليه به آفاقا من المعرفة.

ألا تعرف الفرق بين العالم المحقق والعامي البسيط؟

قلت: العالم يبحث، والعامي يقلد.

قال: العالم يتساءل ويشك ويرى للأشياء وجوها مختلفة، والعامي لا يرى إلا شيئا واحدا.

قلت: ما فائدة هذا، لعلي بك تستطرد.

قال: لا .. عندما رأى نيوتن التفاحة استفاد من سقوطها علما أفاد به كثيرا، فهل كان أول من رأى تفاحة تسقط.

قلت: كلهم رأوا ذلك.

قال: ولكنه لم يستفد من سقوطها إلا من تساءل عن سر سقوطها.

قلت: ما معنى هذا؟

قال: إن سنن الله المبثوثة في الكون أو في القرآن الكريم لن تفقهها حتى تتخلص من حجب الاعتياد التي تجعلك تحتقرها بدون أن تشعر.

قلت: اشرح لي ذلك.

قال: فلنعد إلى القرآن الكريم، ولنستمع إلى قوله تعالى:) وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ ( (سـبأ: من الآية12)

قلت: بأي سمع؟ هل بسمعنا، أم بسمع بديع الزمان؟

قال: بسمعكم.

قلت: يخبر الله تعالى عن النعم التي وهبها سليمان u، ومنها تسخير الريح له تحمل بساطه غدوها شهر ورواحها شهر، كما قال الحسن البصري t:( كان يغدو على بساطه من دمشق، فينزل بإصطخر يتغدى بها، ويذهب رائحاً من إصطخر فيبيت بكابل، وبين دمشق وإصطخر شهر كامل للمسرع، وبين إصطخر وكابل شهر كامل للمسرع )

قال: صدق الحسن البصري t فقد آتاه الله فهما وعلما.

قلت: أنت تثني على تفسير الحسن t، وهذا يعني ترجيحك له، وهذا لا يعني إلا أنك لا ترى في الآية إلا هذا الوجه.

قال: ومن قال ذلك، الحسن نفسه لم يجرؤ على قول ذلك.

قلت: فما تسمع أنت؟ أو بالأحرى: ما يسمع بديع الزمان؟

قال: هو ذا أمامك فاسأله.

قال بديع الزمان، وهو يبتسم ابتسامته المعهودة:( الآية تشير الى أن الطريق مفتوح أمام البشر لقطع مثل هذه المسافة في الهواء.

فيا أيها الانسان! حاول أن تبلغ هذه المرتبة، واسعَ للدنو من هذه المنزلة ما دام الطريق ممهداً أمامك )

قلت: كأنك تقول: إن هذه الآية تحث على البحث عن القدرات المخزنة في الهواء لاستغلالها في قطع المسافات.

قال: لست أنا الذي أقول هذا، بل إن الله تعالى يقول في معنى هذه الآية الكريمة:( إن عبداً من عبادي ترك هوى نفسه، فحمّلتُه فوق متون الهواء، وأنت ايها الانسان! ان نبذت كسل النفس وتركته، واستفدت جيداً من قوانين سنتي الجارية في الكون، يمكنك أيضاً أن تمتطي صهوة الهواء )

التفت إلى المعلم وقلت: لا صبر لي على هذا، فبديع الزمان يكاد يخرج إلى البدعة.

قال: ألم تقرأ سر تقريب عمر t لابن عباس t؟

قلت: بلى، فعن ابن عباس t قال: كان عمر t يدخلني مع أشياخ بدر فكأن بعضهم وجد في نفسه فقال: لم يدخل هذا معنا ولنا أبناء مثله؟ فقال عمر: إنه من حيث علمتم. فدعاني ذات يوم فأدخلني معهم فما رأيت أنه دعاني يومئذ إلا ليريهم. قال: ما تقولون في قول اللَّه تعالى:) إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ( (النصر:1)؟، فقال بعضهم: أمرنا نحمد اللَّه ونستغفره إذا نصرنا وفتح علينا، وسكت بعضهم فلم يقل شيئاً. فقال لي: أكذلك تقول يا ابن عباس؟ فقلت لا. قال: فما تقول؟ قلت: هو أجل رَسُول اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - أعلمه له؛ قال:) إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ( (النصر:1) وذلك علامة أجلك ) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّاباً( (النصر:3)، فقال عمر t:( ما أعلم منها إلا ما تقول )[36]

قال: أرأيت ما قاله ابن عباس t، أفهم فهمه، أم رواية رواها؟

قلت: بل فهم فهمه، ولو كان ذلك رواية رواها لصرح بالرفع، ولما جهلها أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم -.

قال: فهل كان ما فهمه مما ورد في النص الدلالة عليه؟

قلت: لا، فليس في النص أي ذكر لأجل النبي - صلى الله عليه وسلم -.

قال: فكيف فهمه؟

قلت: أظن أنه فهم أن حياة النبي - صلى الله عليه وسلم - متوقفة على إكماله الرسالة التي كلف بها، فإذا ما أكمل رسالته جاء أجله، وبما أن النصر هو علامة إكمال الرسالة كان هو نفسه علامة إكمال الأجل.

قال: صدقت، فهذا ما فهمه ابن عباس t.

قلت: لقد قر عيني مما ذكرت، فأعتذر منك يا بديع الزمان، فما حركني وأثارني إلا الخوف على مصادر الدين من أن يدخلها التحريف والتبديل.

قال المعلم: الأولياء لا يعتذر لهم.

قلت: كيف، وقد حرم إيذاؤهم، بل اعتبر إيذاؤهم إيذاء لله.

قال: فاستغفر الله .. أما هم فقلوبهم هناك في سرادقات العز، لو جمعت قواميس السباب في الدنيا وقذفت عليهم ما تحركت منهم شعرة واحدة، فهم بالله ولله ومع الله.

قلت: فزدني من فهم السنن مما ذكر في القرآن الكريم من معجزات الأنبياء ـ عليهم الصلاة والسلام ـ

قال: فلنستمع قوله تعالى:) وَإِذِ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْناً ( (البقرة: من الآية60) بأذن بديع الزمان.

قال بديع الزمان: هذه الآية الكريمة تبين معجزة من معجزات سيدنا موسى u، وهي تشير إلى أنه يمكن الاستفادة من خزائن الرحمة المدفونة تحت الارض بآلات بسيطة، بل يمكن تفجير الماء، وهو ينبوع الحياة، من أرض صلدة ميتة كالحجر بوساطة عصا.

قلت: فما تقول هذه الآية يا بديع الزمان؟

قال: هذه الآية تقول لكم:( ما دمتُ أسلّم بيد عبد يعتمد عليّ ويثق بي عصا، يتمكن بها ان يفجّر الماء أينما شاء. فأنت أيها الانسان ان اعتمدت على قوانين رحمتي، يمكنك أيضاً ان تخترع آلةً شبيهة بتلك العصا، أو نظيرة لها. فهيا اسعَ لتجد تلك الآلة )

قلت: فالآية تشير بهذا المنظار إلى وسائل الحفر الحديثة.

قال: نعم .. فأنت ترى كيف أن هذه الآية سبّاقة لإيجاد الآلة التي بها يتمكن الانسان من استخراج الماء في أغلب الاماكن، والتي هي إحدى وسائل رقي البشرية .. بل ان الآية الكريمة قد وضعت الخط النهائي لحدود استخدام تلك الآلة ومنتهى الغاية منها، بمثل ما عيّنت الآية الاولى أبعد النقاط النهائية، وأقصى ما يمكن ان تبلغ اليه الطائرة الحاضرة.

قلت: فاذكر لي مثالا آخر.

قال المعلم: قوله تعالى:) وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّه( (آل عمران: من الآية49)

قلت: هذه الآية تذكر معجزة من معجزات عيسى u وهي معجزة إبراء الأكمه والأبرص، وإحياء الموتى .. فماذا تسمع منها يا بديع الزمان؟

قال بديع الزمان: القرآن الكريم اذ يحث البشرية صراحة على اتباع الاخلاق النبوية السامية التي يتحلى بها سيدنا عيسى u، فهو يرغّب فيها ويحض عليها رمزاً الى النظر الى ما بين يديه من مهنة مقدسة وطب رباني عظيم.

قلت: فما تقول لنا هذه الآية؟

قال: هذه الآية الكريمة تشير الى: أنه يمكن أن يُعثر على دواء يشفي أشد الأمراض المزمنة والعلل المستعصية، فلا تيأس أيها الانسان، ولا تقنط أيها المبتلى المصاب، فكل داء مهما كان له دواء، وعلاجه ممكن، فابحث عنه، وجِدْه، واكتشفه، بل حتى يمكن معالجة الموت نفسه بلون من ألوان الحياة الموقتة )

قلت: ماذا تقصد بالضبط؟ أو كيف تطبق هذه الإشارة؟

قال بديع الزمان: الله تعالى يقول بالمعنى الاشاري لهذه الآية الكريمة:( لقد وهبتُ لعبد من عبادي تَركَ الدنيا لأجلي، وعافها في سبيلي، هديتين: احداهما دواء للاسقام المعنوية، والأخرى علاج للأمراض المادية .. فالقلوب الميتة تُبعث بنور الهداية، والمرضى الذين هم بحكم الاموات يجدون شفاءهم بنفث منه ونفخ، فيبرأون به، وأنت أيها الانسان بوسعك أن تجد في صيدلية حكمتي دواء لكل داء يصيبك، فاسعَ في هذه السبيل، واكشف ذلك الدواء فإنك لا محالة واجده وظافر به )

وهكذا ترى كيف ترسم هذه الآية الكريمة أقصى المدى وأبعد الأهداف التي يصبو اليها الطب البشري من تقدم.

قلت للمعلم: فاضرب لي مثالا آخر.

قال: فلنستمع إلى قوله تعالى:) وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ( (سـبأ: من الآية10)

قلت: هذه الآية تذكر ما من الله تعالى به على داود u من تليين الحديد، وقد اختلف العلماء، هل كان ذلك من المعجزات أم لا .. فما رأيك يا معلم في الأرجح من هذا الخلاف؟

قال: وما يفيدك أن تعلم أن هذا كان معجزة، أو لم يكن معجزة؟

قلت: علم أتعلمه.

قال: وخير منه علم تعمل به ..

ثم سكت هنينهة وتنفس الصعداء، ثم قال: ليت الجهود التي ضيعتموها في الصراع والبحث عن الراجح والمرجوح، ضيعتموها في العمل، وفي علم العمل.

قلت: ما تقصد؟

قال: إن الله تعالى ذكر الحديد في القرآن الكريم، وأكثر من ذكره، وقرنه بإرسال الرسل، وعبر عن خلقه بالإنزال، فقال تعالى:) لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ( (الحديد:25)

وأخبر عن استغلال عبده الصالح ذي القرنين له، فقال تعالى على لسانه:) آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ( (الكهف:96)

أجبني لماذا أولاه القرآن الكريم هذه الأهمية؟

قلت: لا شك في أهمية الحديد، فهو أساس الصناعة.

قال: فالله تعالى ينبهنا إلى هذا .. إلى استغلال هذا الخلق للتقدم .. لا للجدل في نوع اللين الذي حصل لداود u.

قلت: فكيف سمعت يا بديع الزمان آية قوله تعالى:) وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ( (سـبأ: من الآية10)؟

قال بديع الزمان: إن تليين الحديد نعمة إلهية عظمى، اذ يبين الله به فضل نبيٍ عظيم. فتليين الحديد وجعله كالعجين، واذابة النحاس وايجاد المعادن وكشفها هو اصل جميع الصناعات البشرية، واساسها. وهو أم التقدم الحضاري من هذا الجانب ومعدنه.

فهذه الآية تشير الى النعمة الإلهية العظمى في تليين الحديد كالعجين وتحويله اسلاكاً رفيعة واسالة النحاس، واللذان هما محور معظم الصناعات العامة، حيث وهبها الباري الجليل على صورة معجزة عظمى لرسول عظيم وخليفة للارض عظيم. فما دام سبحانه قد كرم مَن هو رسولٌ وخليفة معاً، فوهب للسانه الحكمة وفصل الخطاب، وسلّم الى يده الصنعة البارعة، وهو يحض البشرية على الاقتداء بما وهب للسانه حضاً صريحاً، فلابد أن هناك إشارة ترغّب وتحضّ على ما في يده من صنعة ومهارة.

قلت للمعلم: فما الطريق للتعرف على سنن الله؟

قال: البصر والبصيرة.

قلت: ما البصر؟ وما البصيرة؟

قال: البصر الحس الظاهر، والبصيرة الحس الباطن.

قلت: تقصد العقل والحس.

قال: أقصد العقل والعقول، والحس والأحاسيس.

قلت: أراك تقترب، ثم تبتعد، وتبسط، ثم لا تفتأ حتى تعود للتعقيد.

قال: هذا علم آخر من علوم السلام ستعرفه في محله.

قلت: فلم ذكرته الآن؟

قال: لم أذكره .. وإنما بذرته.

قلت: ولم؟

قال: لتسقيه بدموع الشوق، وتدفئه بحرارة الحب، وعندما ينضج البذر، ويطل ببرعمه سيرى الحقيقة.

قلت: متى؟

قال: الزمان جزء من سنن الله، فلا تتخطاه، واسمع جيدا قوله تعالى:)  وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً( (طـه: من الآية114)، فقد قرن الله بين النهي عن الاستعجال والزيادة في العلم، ليخبر أن عجلتك تحول بينك وبين التحقيق في العلم.

الزمن

اقتربت مع المعلم إلى باب آخر من أبواب التطوير، مكتوب عليه:) وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ( (قّ:38)

قلت للمعلم: هذا باب الزمن؟

قال: نعم، فالزمن جزء من العلاج .. ولا يمكن أن تسير قدما في لحظة واحدة ..

قلت: إن من قومي من يقتلهم العجز، وهم يسندون عجزهم إلى الزمن.

قال: كيف؟

قلت: يواصل أحدهم نوم الليل بالنهار، ثم لا يصرف من نهاره إلا جزءا ضئيلا جدا، ثم يتعلل بالزمن.

قال: وما يقولون؟ وكيف يستدلون؟

قلت: يقولون ما تقول من أن الزمن جزء من العلاج.

قال: الزمن جزء من العلاج لمن يعالج لا لمن يقعد .. أرأيت لو أن طبيبا أعطاك دواء لتتناوله شهرا، فقعدت دون أن تتناوله تنتظر مضي الشهر ليحصل لك الشفاء .. فهل سيحصل لك الشفاء بعد مضي الشهر؟

قلت: كلا .. بل لعل حالتي ستتردى، فبراعم الجراثيم التي غفلت عنها طيلة الشهر ستصبح أشواكا تقتلني بسمومها.

قال: فالزمن بهذا ليس جزءا من العلاج، وإنما هو جزء من المشكلة.

قلت: نعم.

قال: فهو سلاح ذو حدين كسائر الأسلحة.

قلت: نعم .. ولكن متى يكون سلاحا نافعا؟

قال: إذا استعان بالسنن، فالسنن هي الدواء، ومن لم يستعمل الدواء أكله الداء، أو قتلته الأدواء.

قلت: فكيف يكون الزمن سببا من أسباب الترقي والتطور؟

قال: ألم تسمع قوله تعالى:) وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُوراً( (الفرقان:62)؟

قلت: إن الله تعالى يمن في هذه الآية على عباده أنه جعل الليل والنهار يتعاقبان توقيتاً لعبادة عباده، فمن فاته عمل في الليل استدركه في النهار، ومن فاته عمل في النهار استدركه في الليل، وقد قال ابن عباس t في الآية:( من فاته شيء من الليل أن يعمله أدركه بالنهار، أو من النهار أدركه بالليل )

قال: فهذه الآية إذن تضع الفرص الزمانية أمام العباد ليترقوا، وكأنها تقول لهم:( لم يفتكم شيئ، فما فاتكم يمكن أن تستدركوه )، وقد نص - صلى الله عليه وسلم - على هذا التبشير الذي تحمله الآية، فقال:( إن اللّه عزَّ وجلَّ يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل )

قلت: لكأن الآية تدعونا إلى تجديد حياتنا في كل لحظة.

قال: بل تدعونا إلى ميلاد جديد في كل لحظة، فلا يمكن أن نبقى مزبلة تتكوم على أرواحنا أكوام النجاسات.

قلت: هذا كلام جميل، فكثيرا ما نعيش الماضي، ونتألم الماضي، فنصير ضحايا الماضي.

 قال: وهذا خلاف ما يدعوكم إليه القرآن الكريم، فقد قال تعالى:) لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ ( (الحديد: من الآية23)

قلت: فما العلاج يا معلم؟

قال: التخطيط للزمن المستقبل، فتجعل حياتك كتابا موقوتا.

 قلت: كأني بك تسمع قوله تعالى:) إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَاباً مَوْقُوتاً( (النساء: من الآية103)

قال: نعم، فالصلاة هي المؤمن، والمؤمن هو الصلاة، فما دامت الصلاة كتابا موقوتا، فالمؤمن كتاب موقوت، ألم تسمع ما قال تعالى في وصف عباده الصالحين وعلاقتم بالليل.

قلت: بلى، فالله تعالى يثني على علاقتهم بالليل ثناء حسنا، فقد قالتعالى فيهم:) وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّداً وَقِيَاماً( (الفرقان:64)، وقالتعالى:) كَانُوا قَلِيلاً مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ( (الذريات:17 ـ 18)، وقالتعالى:) تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ( (السجدة:16)، وقالتعالى:) لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ( (آل عمران:113)، وقالتعالى:) أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِداً وَقَائِماً يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ( (الزمر:9)

قال: فليلهم كنهارهم حي عامر يملتئ حياة.

قلت: وهل يمكن أن تمتلئ حياة امرئ موتا؟

قال: نعم، عندما يعيش في السراب، باحثا عن السراب، لاهثا وراء السراب.

قلت: لقد ذكرتني، يا معلم، بقول الشاعر:

يخبرني البواب أنك نائم       وأنت إذا استيقظت أيضا فنائم

قال: فكذلك الغافلون، نومهم كنهارهم لا ينتفعون بهما.

قلت: فكيف أعمر وقتي بالحياة؟

قال: بالهمة.

قلت: ولكن الهمة مضى الحديث عنها.

قال: لم يمض، الهمة ستجدها في كل باب، وفي كل معراج، وفي كل بحر، فلا يمكنك أن تسلك سبل السلام وتعرج إلى دار السلام إلا بالهمة العالية، فهي الجناح الذي تطير به، وهي السفينة التي تبحر بها، وهي المفتاح الذي تفتح به غوامض الحقائق، والشيفرة التي تحل بها أسرار الوجود.

قلت: فكيف السبيل إلى الهمة؟

قال: فلنعد إلى أولئك الخاشعين الذي تركوا الفراش الوثير والنوم الهادئ وراحوا يفترشون أقدامهم تزلفا إلى الله .. ما الذي حركهم؟

قلت: أروي في ذلك أبياتا، واحفظ في ذلك قصصا.

قال: فما الأبيات؟

قلت: قال ذو النون المصري t:

منع القران بوعده ووعيده  مقل العيون بليلها أن تهجعا

فهموا عن الملك الجليل كلامه فرقابهم ذلت إليه تخضعا

وقال ابن المبارك t يصف الصالحين:

إذا ما الليل أظلم كابدوه       فيسفر عنهم وهم ركوع

أطار الخوف نومهم فقاموا وأهل الأمن في الدنيا هجوع

قال: فما الحكايات؟

قلت: حكى أن غلاما بالبصرة اسمه صهيب، كان يقوم الليل كله، فقالت له سيدته:( إن قيامك بالليل يضر بعملك بالنهار )، فقال:( إن صهيبا إذا ذكر النار لا يأتيه النوم )، وقيل لغلام آخر، وهو يقوم كل الليل فقال:( إذا ذكرت النار اشتد خوفي، وإذا ذكرت الجنة اشتد شوقي، فلا أقدر أن أنام )

قال: فقد أجبت إذن على سؤالك.

قلت: تعني أن الحقائق التي آمنوا بها فتغلغلت في كيانهم هي التي جعلتهم يستهينون بتلك المتاعب التي تكابدها أعينهم بالسهر وأرجلهم بالقيام.

قال: لا، بل إن الحقائق التي كانوا يعيشونها جعلتهم يستحلون افتراش أقدامهم لله، فهم لم يتكلفوا في تلك الحال، بل كانوا يتنعمون، ألم تقرأ أخبارهم مع الليل؟

قلت: بلى، فقد كانوا يحبون الليل ويحنون شوقا إليه، وقد قيل لبعضهم:( كيف أنت والليل؟)، فقال:( ما راعيته قط، يريني وجهه، ثم ينصرف وما تأملته بعد )، وقال آخر:( أنا والليل فرسا رهان، مرة يسبقني إلى الفجر، ومرة يقطعني عن الفكر )، وقيل لبعضهم:( كيف الليل عليك؟) فقال:( ساعة أنا فيها بين حالتين، أفرح بظلمته إذا جاء، وأغتم بفجره إذا طلع، ما تم فرحى به قط )، وقال علي بن بكار:( منذ أربعين سنة ما أحزنني شيء سوى طلوع الفجر )، وقال الفضيل بن عياض:( إذا غربت الشمس فرحت بالظلام لخلوتي بربي، وإذا طلعت حزنت لدخول الناس علي )، وقال أبو سليمان:( أهل الليل في ليلهم ألذ من أهل اللهو في لهوهم، ولولا الليل ما أحببت البقاء في الدنيا ) وقال:( لو عوض الله أهل الليل من ثواب أعمالهم ما يجدونه من اللذة لكان ذلك أكثر من ثواب أعمالهم )، وقال بعض العلماء:( ليس في الدنيا وقت يشبه نعيم أهل الجنة إلا ما يجده أهل التملق في قلوبهم بالليل من حلاوة المناجاة )

قال: وأقوال أخرى كثيرة تنبئ عن فرحهم به.

قلت: يا معلم لكأني بنا تهنا مع أهل الليل عن أهل النهار؟

قال: ما تقصد؟

قلت: ألم يجعل الله النهار للمعايش، فقال:) وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشاً( (النبأ:11)؟

قال: لم نته، بل نحن نسترشد بأهل الليل لنعرف ما نعمل بالنهار.

قلت: كيف؟

قال: أهل اليل كانت لهم همة هي الترقي إلى الله، والصعود في معارج العرفان، وقد تم لهم من ذلك الكثير، ومن نجح في الليل لن يعجز أن يدلنا على النجاح في النهار.

قلت: اشرح لي، فإني لا أكاد أفهم.

قال: أهل الليل كانت لهم همة عالية، وكان لهم ما يثير تلك الهمة من الأشواق، فتحقق لهم ما أرادوا من التنعم بالتعب، والتلذذ بوطأة الليل.

قلت: فكيف نسترشد بهذا في نهار المعايش؟

قال: عندما تكون لنا أشواق الترقي عن الحضيض، والسمو عن السفاسف، والتحليق في أجواء الكمال حينها سنمتطي صهوة الزمن للعروج في معارج التطور.

قلت: أتعني أن الشوق هو بذر الطريق.

قال: الشوق هو البذر، والزمن هو الكفيل بإنبات ذلك البذر.

قلت: فإلى أي معارج نرتقي؟

قال: ألستم متخلفون؟

قلت: بلى، بل في أرذل درجات التخلف.

قال: هذا شيء جميل.

قلت: كيف يكون شيئا جميلا، أتحسب ما نحن فيه كمالا؟

قال: لا أقصد هذا، ولكني أقصد أن شعوركم بتخلفكم شيء جميل.

قلت: لم؟

قال: لأنه سينفخ فيكم الألم الذي يجعلكم تثورون على تخلفكم، فتمتطوا الزمن كما يمتطي العداء ما بقي له من دقائق ليسابق من سبقه.

قلت: ولكن المسافة بيننا وبين من سبقنا هائلة، فلو امتطينا مراكب فضائية، لن نسبقهم.

قال: لم؟

قلت: لأنهم حينها سيكونون قد اخترعوا مراكب ضوئية.

قال: وهل تتصور أنكم ستبدأون من حيث بدأوا؟

قلت: ومن أين نبدأ إذن؟

قال: من حيث انتهوا.

قلت: كيف؟

قال: ألم يصلوا إلى أشياء فاتكم الوصول إليها؟

قلت: بلى، وهي أشياء كثيرة.

قال: فابدأوا منها، وابدأوا سباقا جديدا كل يوم، واخلعوا ثياب ماضي التخلف أو التقدم، فلا يهمكم من تخلف من أجدادكم أو تقدم، ألم تسمع قوله تعالى:) تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلا تُسْأَلونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ( (البقرة:134)

قلت: ولكنا لا نزال في أسفل درجات التخلف.

قال: ألم تعلم كيف بدأ إطلاق أول صاروخ في الفضاء؟

قلت: بلى، ففي شهر آب ( أغسطس ) من عام 1932م أطلقت الجمعية الأمريكية للسياحة بين الكواكب صاروخها الأول، ولم يكن طوله يزيد عن 15 سم، وقطر قاعدته 7.5 سم، وكانت منصة الإطلاق مكونة من قائمين مصنوعين من خشب الصنوبر، وقد غطيتا بكمية وافرة من الصابون لتسهيل انطلاق الصاروخ إلى الأعلى، وقد وقف رئيس الجمعية (ديفيد لير) والمهندس (لورانس ماننغ) يراقبان عملية الإطلاق من خلف أكياس الرمل.

وتفادياً لمشكلات الإشعال فقد كلف أحد المهندسين المساعدين بإشعال الصاروخ بعود من الثقاب، وبعد ثانيتين دار المحرك كما كان مقدراً له، ولكن لم يلبث أن انفجر وطار إلى حيث وقع على بعد 170 م من منصة الإطلاق.

قال: فهل كانت هذه مسرحية هزلية، أم ماذا؟

قلت: بل كانت تجربة أثبتت جدواها بعد عقود من السنين ظل الجهد فيها مستمرا.

قال: لا تهم العقود[37]، بل يهم الوصول، فهل وصلوا؟

قلت: أجل، ولولا تلك التجارب البسيطة ما استطاعوا ملء الفضاء بالأقمار الصناعية وغيرها، ولسنا ندري ماذا سيحصل في المستقبل.

قال: فقد بدأو بعود ثقاب، وببضع سنين.

قلت: نعم.

قال: أتدري وجه الإشارة القرآنية لهذا المعنى.

قلت: ما هي؟ فإني لا أتصور أن في القرآن الكريم حديثا عن هذا.

قال: ألم تسمع قصة الذي مر على القرية الخراب؟

قلت: بلى، فقد قال تعالى في شأنه:) أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْماً فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ( (البقرة:259)

قال: لقد تعجب أن يحيي الله تلك القرية بعد موتها، فأماته الله مائة عام ليبصر حياتها.

قلت: فهل نحتاج إلى الموت لنبصر حياة أمتنا؟

قال: لا .. بل تحتاجون إلى الحياة .. فإن استسلمتم للموت، فإن الله يحي هذه الأمة بخلف يدفنونكم في كهوف النسيان، ألم يقل الله تعالى:) وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ( (محمد: من الآية38)

قلت: فما الطريق؟

قال: امتطوا صهوة الزمن، واحملوا أشعة السنن لتملأوا الأرض خيرا وريا.

4 ـ الأخلاق

اقتربت من الباب الرابع، فقال المعلم: هذا باب الأخلاق، وهو من أهم أبواب التدريب، ومن لم يدخل إليه تعذب بتدريبه في الدنيا قبل الآخرة .. ولم ينفعه تدريبه في الدنيا، ولا في الآخرة.

قلت: لماذا تخوفني هكذا.

قال: هذا ليس تخويفا، هذه حقيقة، فالأخلاق هي حامي هذه الأبواب، فمن لم يتخلق لم يفد الخلق بعلمه ولا بإتقانه ولا بتطويره.

قلت: صدقت يا معلم، بل الأخلاق هي الكنز الذي لو استثمره الفقراء لكسبوا به ما تعجز خزائن الأغنياء عن تحمله.

قال: بل لو استثمروه لعاشوا به في سعادة يعجز الأغنياء عن تحصيلها بأموالهم.

قلت: لقد ذكرتني بقول حافظ إبراهيم في تأثير الأخلاق الحسنة في جلب السعادة لأصحابها.

قال: فارو هذا الشعر، فإنه من الحكمة، ولا تخرج إلى وديان الغي.

قلت: لقد قال حافظ:

إِني لتطربُني الخِلالُ كريمةً    طربَ الغريبِ بأوبةٍ وتلاقِ

ويَهُزُّني ذكْرُ المروءةِ والندى    بين الشمائلِ هزةَ المشتاقِ

فإِذا رُزقتَ خَليقةً محمودةً   فقد اصطفاكَ مقسِّمُ الأرزاقِ

والناسُ هذا حظُّه مالٌ وذا    علمٌ وذاكَ مكارمُ الأخلاقِ

وقد قال في هذه القصيدة حاثا على الجمع بين المال والأخلاق:

والمالُ إِن لم تَدَّخِرْه محصناً      بالعلمِ كان نهايةَ الإملاقِ

وبمثل ذلك نادى شوقي في قوله:

وإِذا أُصِيْبَ القومُ في أخلاقِهمْ  فأقِمْ عليهم مَأْتَماً وعويلا

وقال:

صلاحُ أمرِكَ للأخلاقِ مرجعُه      فقوِّم النفسَ بالأخلاقِ تَسْتَقِمِ

والنفسُ من خيرِها في خيرِ عافيةٍ  والنفسُ من شَرِّها في مرتع وخمِ

قال: حسبك بهذا، ولنرجع إلى ما كنا فيه.

قلت: لقد فهمت يا معلم علاقة العلم والإتقان والتطوير بالتدريب، فلا يمكن أن يتدرب العامل بدونها، ولكن لم أفهم علاقة الأخلاق بذلك، فإني أرى في الواقع كثيرا من قومي قد فتحت لهم أبواب الثروة، وأغدقت عليهم شآبيب الرزق من غير أن يكون لهم من الأخلاق كثير ولا قليل، فكيف يكون الخلق جزءا من تدريب العاملين؟

قال: ألم ترو تلك الأشعار التي تحض على الجمع بين المال والخلق؟

قلت: بلى.

قال: ففيها الجواب.

قلت: ولكن أرزاق هؤلاء تتضاعف يوما بعد يوم.

قال: وما فائدة أرزاق تكثر، وبركات تنقص؟ وما قيمة مصانع تؤسس، وقصور تهدم؟

قلت: أي قصور تهدم يا معلم؟ أنا لا أراها بل أرى الزلازل مع ما أوتيت من قوة تعجز عن قصور هؤلاء.

قال: تلك أكواخ، وليست قصورا؟

 قلت: فأين القصور إذن، أهي قصور الجنة؟

قال: هي القصور التي جعلها الله في أعماق الإنسان إن تأدب مع الله ومع نفسه ومع الإنسان ومع الكون .. والحق أقول لك: من لم يحز هذا القصور عاش في زنازن من الرعب، ولو سترها بطلاء الذهب والفضة، فالزنازن تظل زنازن ولو طليت بكل طلاء وزينت بكل زينة، ألم تسمع الله تعالى وهو يقول:) وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى( (طـه:124)

قلت: ولكن الآية الكريمة تتحدث عن الذكر، ولا تتحدث عن الخلق.

قال: وهل الذكر إلا خلق، أترى من نسي مولاه الذي خلقه، ورباه، ورزقه، وأنعم عليه، ولا خير إلا منه، يكون متخلقا .. إن مبدأ الخلق هو التخلق مع الله، فمن تخلق مع الله تخلق مع عباد الله، ومن أساء أدبه مع الله أساء أدبه مع الكون جميعا ابتداء من نفسه، ألم تسمع الحق تعالى وهو يقول:) يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ( (البقرة:9)؟  فمن ظن أنه يخدع الله، فقد وقع في خديعة نفسه.

قلت: يا معلم، فما هي نواحي الخلق التي على المتدرب أن يربي نفسه عليها، أو يربيه المجتمع عليها؟

قال: لن تعرف النواحي حتى تعرف حقيقة الخلق.

قلت: وما حقيقة الخلق؟

قال: أداء الحقوق لأصحابها، وعدم الاعتداء عليها.

قلت: كيف؟

قال: إذا اعتديت على حقوق أصحاب الحقوق ظلمتهم، والظلم منبع الرذائل، وإذا سلمتها لهم كاملة غير منقوصة عدلت، والعدل أصل الفضائل.

قلت: ولكن الأخلاق كثيرة، وما العدل إلا واحد منها، بل إن الفضل والإيثار أعظم من العدل نفسه.

قال: ولكن العدل هو البذرة التي ينبت منها الفضل والإيثار، كما تنبت منها جميع الفضائل.

قلت: فسر لي ذلك.

قال: الإنسان محاط بمجموعة من العلاقات، وكل علاقة تتطلب سلوكا معينا، وحقوقا معينة، فمن قصر في حق طائفة من الطوائف وقع في الجور، ومن وقع في الجور لا يستقيم أمره إلا بالرجوع إلى العدل.

قلت: ولكني لم أر للعدل في النصوص هذه المكانة التي تتحدث عنها.

قال: ألم يجعل الله الاستقامة هي مبتغى آمال السالكين، فقال تعالى:) اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ( (الفاتحة:6)، وأخبر عن غيرهم، فقال:) وَإِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ عَنِ الصِّرَاطِ لَنَاكِبُونَ( (المؤمنون:74)

قلت: بلى.

قال: فالاستقامة هي العدل، فمن اعتدل فقد استقام.

قلت: لعلك تقصد ما ذكره علماء السلوك من المسلمين وغيرهم من أن الخلق الحسن يقع بين طرفين مذمومين والاستقامة والعدل هو تجنب الطرفين المذمومين، كما قال ابن القيم:( فإن النفس متى انحرفت عن التوسط انحرفت إلى أحد الخلقين الذميمين ولابد، فإذا انحرفت عن خلق التواضع انحرفت إما إلى كبر وعلو وإما إلى ذل ومهانة وحقارة، وإذا انحرفت عن خلق الحياء انحرفت إما إلى قحة وجرأة وإما إلى عجز وخور ومهانة بحيث يطمع في نفسه عدوه، ويفوته كثير من مصالحه، ويزعم أن الحامل له على ذلك الحياء وإنما هو المهانة والعجز وموت النفس )[38]

قال: بل قد ورد هذا المعنى في القرآن الكريم واضحا جليا، وكمثال على ذلك موقفه من أكل الشهوات أو استعمالها، والذي تنشأ عنه الأخلاق الخاصة بهذه القوة من قوى الإنسان، فقد ورد ذكره في القرآن الكريم مقيدا بما يمنعه من الطغيان، قال تعالى، وكأنه يعرض مائدة نعمه على خلقه:) وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنَّاتٍ مَعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفاً أُكُلُهُ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشَابِهاً وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ( (الأنعام:141)

ففي الآية الكرية دعوة للأكل تنافي ما يدعو إليه الرهبان من الجوع، ولكنها لا تنسجم كذلك مع ما يدعوا إليه أهل الشهوات من الاقتصار على الأكل المجرد، بل تضم إليه أمرين:

1. عدم الإسراف، حتى لا ينمي هذا الأكل في الإنسان أخلاق اليهيمية التي لا تبالي ما تأكل، ولا كيف تأكل، وهذا ما نص عليه قوله تعالى:) يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ( (لأعراف:31)

2. البذل، وعدم نسيان المحتاجين، لأن الشهوة قد تولد الحرص المولد للبخل، فلذلك تعارض الشهوة بالبذل.

ومن الأمثلة ـ كذلك ـ قوله تعالى، وهو يحض في وقت واحد على الإنفاق والتقتير:)وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُوماً مَحْسُوراً( (الاسراء:29)، فغل اليد إلى العنق يولد صفة البخل، وهي من شر الصفات، وبسط اليد كل البسط، قد يولد الفاقة والفقر، وهو كذلك منبع من منابع الانحراف، كما قال - صلى الله عليه وسلم -:(  كاد الفقر أن يكون كفرا )[39]

قلت: قد عرفت الخلق، وأنه أداء الحقوق لأصحابها، فمن هم أصحاب هذه الحقوق، وكيف أؤديها لهم؟

قال: الكلام في هذا طويل، وسنعرج عليه في دروسنا عند الصعود في معارج السلام، ولكنا سنذكر هنا أربعة نواح لها علاقة بالتدريب، بل لا يكمل التدريب إلا بها.

قلت: فما هي؟

قال: هي علاقات الإنسان الأربع.

قلت: تقصد: علاقته بالله وبنفسه وبالمجتمع وبالكون.

قال: نعم، فلكل علاقة من هذه العلاقات حقوق يتطلب من المتدرب التعرف عليها، والسلوك وفق ما تقتضيه وإلا وقع في أودية الجهل التي تقعون فيها.

قلت: كيف؟

قال: أنتم تدمرون أنفسكم وجميع علاقاتكم عندما تفصلون بين المال والأخلاق، وتجعلون عمدة الاقتصاد وهدفه هو ملأ الخزائن بغض النظر عن المصدر الذي امتلأت منه.

قلت: لم أفهم.

قال: أصخ سمعك، وستفهم، فلا يعرف جرم الباطل إلا بجمال الحق .. وهيا لنقترب من أبواب الأخلاق ..

حقوق الله

اقتربت من الباب الأول، وقد كان في منتهى الجمال، بل لا يكاد البليغ مهما أوتي من قوة التعبير أن يصفه، ألوانه ليست كالألوان، وشكله ليس كالأشكال، ومادته ليست كالمواد، وكأنه قد صمم في عالم غير عالمنا، أو كأنه باب من أبواب الجنة هبط إلينا ليعرض صناعة الجنان.

لم تكن هناك لافتة معلقة عليه، ولكن حروفا كانت تموج في داخله كأمواج البحر، تردد بلا حرف ولا صوت قوله تعالى:) فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ( (الشرح:7 ـ 8)

سألت عن سر هذا الباب الجميل، وعن المصنع الذي صنعه، فقال: هذا الباب لم يصنع.

فتعجبت، وقلت: وهل نبت كما تنبت الأشجار؟

قال: هذا باب التخلق مع الله، وهو من أجل الأبواب وأجملها، أما الجمال الذي تراه فيه، فإنه اكتسبه من قربه من الله، ألا تعلم أن المتخلق قريب من الله؟

قلت: بلى، فقد ورد في النصوص ما يدل على ذلك، فقد قال - صلى الله عليه وسلم - في السخاء، وهو من أعظم الأخلاق:( السخي قريب من الله قريب من الناس قريب من الجنة بعيد من النار، والبخيل بعيد من الله بعيد من الناس بعيد من الجنة قريب من النار، ولجاهل سخي أحب إلى الله من عابد بخيل )[40]

قال: وقد ذكر - صلى الله عليه وسلم - ما يشير إلى هذا المعنى بنوع من القياس الصحيح، فقد قال:( إن أحبكم إلي وأقربكم مني في الآخرة مجالس محاسنكم أخلاقا، وإن أبغضكم إلي وأبعدكم مني في الآخرة مساويكم أخلاقا الثرثارون المتفيهقون المتشدقون )[41]

فمن كان قريبا من النبي - صلى الله عليه وسلم - فهو قريب من الله، بل ليس هناك من هو أقرب إلى الله من حبيبه - صلى الله عليه وسلم -.

وقد ورد في حديث آخر ما يدل على هذا بمثل هذا النوع من القياس، فقد قال - صلى الله عليه وسلم -:(  إن أكمل المؤمنين إيمانا أحسنهم خلقا، وإن حسن الخلق ليبلغ درجة الصوم والصلاة )[42]

فلا يكمل إيمان المؤمن إلا بقربه من الله، فالقرب علامة كمال الإيمان كما قال ابن عطاء الله:( وصولك إلى الله وصولك إلى العلم به، و إلا فجل ربنا أن يتصل به شيء أو يتصل هو بشيء ) 

وقد ورد في حديث آخر ما يدل على هذا بمثل هذا النوع من القياس، فقد قال - صلى الله عليه وسلم -:( ما شيء أثقل في ميزان المؤمن يوم القيامة من خلق حسن فإن الله تعالى يبغض الفاحش البذي )[43]، وثقل الميزان بقدر القرب من الله.

قلت: وما سر هاتين الآيتين التي تموجان في داخله وتنطقان من غير حرف ولا صوت .. لله ما أحلى جمالهما!!

قال: هما آيتا التخلق مع الله في هذا الباب.

قلت: ألكل باب من أبواب التخلق مع الله آيته الخاصة به؟

قال: أجل، فكل آية من آيات القرآن الكريم باب من أبواب التخلق مع الله، فمن تخلق بأخلاقها فتح له من المعرفة بالله والقرب منه بحسب تخلقه .. ألا تعلم السر الأعلى لإنزال القرآن الكريم؟

قلت: وما هو؟

قال: هو الدلالة على الله، والتعريف به، والتعريف بالسلوك إليه، وكيفية التأدب معه.

قلت: ولكن القرآن الكريم يحوي المعاني الكثيرة.

قال: هي كالسيول المختلفة تفترق لتجتمع في مصب واحد.

قلت: فبين لي ذلك.

قال: الآية الكريمة التي تموج في بحر هذا الباب هي التي تقول لك ذلك.

قلت: هي لا تنطق.

قال: بل هي تنطق، ولكن أنت الذي لا تسمع.

قلت: هذا صحيح، فأذن الإنسان محدودة.

قال: تلك أذن الطين، أما أذن الروح فلها من قوة السمع ما تدرك به الأصوات وغير الأصوات، ألم تعلم سر سمع سليمان u للنملة عندما قالت:) يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ( (النمل: من الآية18)، فتبسم ضاحكا من قولها.

قلت: تلك معجزة حصلت له.

قال: ألم تعلم بأن معجزات الله لا تخرق سنن الله، فسنن الله لا يعتريها التبديل والتحريف!؟

قلت: أجل لقد علمني بديع الزمان علم ذلك، ولكن كيف استطاع سليمان u أن يسمع النمل، وكيف استطاع أن يعلم لغتها!؟

قال: هو السر الذي علم به الصحابة y تسبيح الحصى، قال أبو ذر t:( تناول رسول الله r سبع حصيات، فسبحن في يده حتى سمعت لهن حنينا , ثم وضعهن في يد أبي بكر فسبحن , ثم وضعهن في يد عمر فسبحن , ثم وضعهن في يد عثمان فسبحن )[44] 

ومما بروى من سماع الصحابة y ما روي أن أبا الدرداء t كان يطبخ قدرا، فوقعت على وجهها، فجعلت تسبح، فقال:( يا سلمان تعال إلى ما لم يسمع أبوك مثله قط )، فجاء سلمان، وسكن الصوت، فأخبره، فقال:( يا سلمان لو لم نصح لرأيت أوسمعت من آيات الله الكبرى )

قلت: فما سر هذه القدرة؟

قال: ستعلمها في محلها، والآن قل لي ما تسمع من هذه الآية؟

قلت: لا تزل أذن قلبي مغلقة دون سماعها.

قال: فحدد سمع الإيمان، وقل لي.

شعرت بضعف عظيم ملأ جوانبي، وأنا أرى عجزي عن سماع كلام الله، فابتهلت إلى الله بدموع فاضت من قلبي كالأنهار، وبزفرات كادت تحرق ضلوعي، فإذا بسكينة تنزل في أعماقي تطفئ لهيب النار وتأمر أنهار دموعي أن تجف وتغيض .. وإذا بي أسمع تراتيل الآية وهي تتردد في قلبي، فلاح لي من معانيها ما لم يكن يخطر لي على بال .. وشعرت بنشوة عظيمة غبت بها عما حولي لم يقطعها إلا صوت المعلم، وهو يقول: هل سمعت ما قالت؟

قلت: قد سمعت ما قالت، ولكن لا طاقة لي بترديده.

قال: ومن طلب منك أن تردد ما قالت، ومن له طاقة ذلك؟.. ولكن تحدث عما يمكن الاستفادة منه.

قلت: أعظم مطلوب هو الله، فمن ترك الله ورغب عن الله لأي شيء من الأشياء فقد خذل، وباع الله بأبخس الأثمان.

قال: فأخبر قومك الذين انشغلوا عن الله بتجارتهم واختراعاتهم ولهثهم وراء بريق الأموال ومنابع الثراء أنهم يلهثون وراء السراب، وأنهم بغفلتهم عن الله ونسيانهم له وقعوا في الغفلة عن أنفسهم ونسيانها، ألم يقل الله تعالى:) وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ( (الحشر:19)؟

قلت: يا معلم، ألا ترى أن أكبر أدواء الحضارة هي الغفلة عن الله؟

قال: لا .. الحضارة لا تؤدي إلى الغفلة عن الله، فحضارة الجنة أعظم من حضارتكم التي تتيهون بها، وأهلها لا يغفلون لحظة عن الله، وسترى عندما ترحل إلى ( دور السعادة ) ما في الجنة من مظاهر الحضارة التي لا يوازيها إلا مظاهر التقرب والعبادة من الله.

قلت: ولكن تلك الجنة، ونحن في الدنيا.

قال: فحضارة سليمان u أعظم من حضارتكم، فقد آتاه الله من القوى ومن تسخير الأشياء ما لم تؤتوه، وما لم يؤته أحد من قبل ومن بعد.

قلت: ذلك صحيح، فالله تعالى قال في شأنه:) قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكاً لا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ( (صّ:35)، وقد حقق الله سؤله فأعطاه من الملك ما لم يعط أحدا من عباده.

قال: أتعلم سر طلب سليمان u هذا الطلب؟

قلت: كدت أسألك يا معلم، فإن في نفسي شيئا من هذا الطلب أستحيي من ذكره.

قال: قل، فلا حرج على المتعلم أن يعرض شبهته على معلمه، ألم تعلم أن الناس سألوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن الوسوسة التي يجدها أحدهم، لأن يسقط عن الثريا أحب إليه أن يتكلم بها، فقال - صلى الله عليه وسلم -:(  ذاك صريح الإيمان، إن الشيطان يأتي العبد فيما دون ذلك فإن عصم منه وقع فيما هنالك )[45]

قلت: أقول في نفسي: لقد عهدنا الأنبياء ـ عليهم الصلاة والسلام ـ زاهدين في متاع الدنيا راغبين في الله مكتفين بالله، فكيف طلب سليمان u هذا الطلب الغريب؟

قال: كيف ترى سليمان u في القرآن الكريم؟

قلت: لا أراه إلا خيرا منيبا، بل لقد أثنى الله عليه بكونه منيبا رجاعا إلى الله، فقال:) وَوَهَبْنَا لِدَاوُدَ سُلَيْمَانَ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ( (صّ:30)، وقالتعالى:) وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَداً ثُمَّ أَنَابَ( (صّ:34)

قال: فهل شغله تدبير ملكه العظيم الذي لا نظير له عن الله؟

قال: لا .. بل أراه يذكر الله كل حين، ويعرف الفضل لله كل حين، فعندما مر على النملة وسمع كلامها قال:) رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحاً تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ( (النمل: من الآية19)

قال: وهل ظهرت هذه الإنابة في علاقته مع غيره؟

قلت: أجل، فقد كتب لملكة سبأ يقول لها:) إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ( (النمل:31)

وقال مخاطبا رعيته:) يَا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنْطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ( (النمل: من الآية16)، فقد أرجع الفضل إلى الله في تعليمه منطق الطير، أو في إتيانه من كل شيء.

قال: فإن سليمان u طلب ذلك الملك، وبتلك الصورة التي لا ينازعه فيها أحد ليكون حجة على من شغله ملكه عن الله، وكأن سليمان u يقول لربه:( يارب هب لي من الملك ما تشاء .. بل هب لي ملكا لا ينبغي لأحد من بعدي أن يحصل عليه .. فإن هذا الملك مهما كان عظيما .. وذلك الفضل مهما كان وفيرا لن يحجباني عنك ولن يبعدا قلبي عن الرغبة فيك .. فإني لا أرى الأشياء مهما كثرت إلا منك .. ولا أرى نفسي إلا بك .. فكيف أحجب بهداياك الواصلة إلي .. أم كيف أنشغل بفضلك عنك )

قلت: فاستجاب الله ليبلوه.

قال: لا، بل استجاب له، ليبلوكم.

قلت: كيف؟

قال: لقد علم الله صدقه وصدق يقينه، فجعله حجة على كل من انشغل بفضل الله عن الله، أو انشغل بالرغبة في الأشياء عن الرغبة في مشيئ الأشياء .. وقد جعله الله تعالى بالإضافة إلى ذلك مقوما لمن أساءوا فهم الزهد، فتصوروا الأرزاق حجبا عن الله، والفضل الإلهي جنودا لله تبعد عن الله.

قلت: نعم، هذا صحيح، ولعله لأجل هذا ذكر الله تعالى ما أظهر سليمان u لملكة سبأ من مظاهر الملك الذي أعطاه الله له، فلم يكن غرضه الفخر عليها، وإنما كان غرضه تعريفها بالله، لأنها انشغلت بالعرش العظيم[46] الذي كان لها عن الله، فلذلك كان أول ما لاقاها به سليمان u هو عرشها الذي حجبها عن الله، وعن التسليم له، قال تعالى:) فَلَمَّا جَاءَتْ قِيلَ أَهَكَذَا عَرْشُكِ قَالَتْ كَأَنَّهُ هُوَ ((النمل:42)

فلما قالت ذلك، وفي غمرة انبهارها بما رأت أخبرها سليمان u بأنه مع هذا الملك كان مسلما لله، فلم يحجب به عن الله، فقال تعالى على لسانه[47]:) وَأُوتِينَا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهَا وَكُنَّا مُسْلِمِينَ)

فلما رأى سليمان u حاجتها إلى المزيد من الأدلة، أحضرها إلى الصرح الممرد من القوارير، وقد كان من الجمال بحيث لا يساوي عرشها الذي شغلها عن الله شيئا بجانبه، وحينذاك لم تملك إلا أن تسلم لله، قال تعالى:) قِيلَ لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَ فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وَكَشَفَتْ عَنْ سَاقَيْهَا قَالَ إِنَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ مِنْ قَوَارِيرَ قَالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ( (النمل:44)

قال: بل في القرآن الكريم ما يدل على هذا المعنى، فقد أوتيت ملكة سبأ من الذكاء ما استطاعت أن تميز به الملوك من المؤمنين، فقد أرسلت بهدية قيمة لسليمان u لتختبره موقفه من المال، قال تعالى على لسانها:) وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ( (النمل:35)

لكن سليمان u نظر إلى ما أعطاه الله من الإيمان والفضل فوجده أعظم بكثير من أن ينحجب بهديتهم، فقال:) أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ فَمَا آتَانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِمَّا آتَاكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ( (النمل:36)

قلت: لقد فهمت يا معلم سر طلب سليمان u، ولكن لماذا ورد في القرآن الكريم ذكر ملكة سبأ بالذات، وذكر هذا الموقف من سليمان u معها؟

قال: لقد أراد الله من هذا النموذج أن يبين لنا كيفية دعوة من بهرتهم الدنيا وشغلتهم عن الله.

قلت: لم أفهم.

قال: إن ملكة سبأ بعرشها، وقومها بتعظيمهم لها انشغلوا عن الله، فجعل الله فيما أعطى المؤمنين من أسباب الفضل التي لم تشغلهم عن الله ما يرغبهم في الإيمان بالله.

قلت: ولكن القرآن الكريم ذكر إسلام ملكة سبأ وحدها.

قال: والقرآن الكريم ذكر التبعية المطلقة لقومها لها، كما قال تعالى على لسان مستشاريها:) نَحْنُ أُولُو قُوَّةٍ وَأُولُو بَأْسٍ شَدِيدٍ وَالْأَمْرُ إِلَيْكِ فَانْظُرِي مَاذَا تَأْمُرِينَ( (النمل: من الآية33)، وهو ما يدل على أنهم اتبعوها على الإيمان.

قلت: وهل رجعت إليهم حتى يتبعوها؟ 

قال: ومن قال: إنها لم ترجع إليهم .. إن القرآن الكريم أخبر أن غاية سليمان u من إرساله لها هو حثها على الإسلام لا سلب ملكها منها، كما قال تعالى على لسانه:) أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ( (النمل:31)

قلت: ولكن المفسرين أخبروا أنه تزوجها.

قال: وهل حضروا حفل زواجها!؟ .. ما أولعكم بما لا يفيدكم.

قلت: ولكنهم رووا في ذلك أخبارا، فقد رووا أن الجن أرادوا أن يبشعوا منظرها عند سليمان u وأن تبدي عن ساقيها ليرى ما عليها من الشعر فينفره ذلك منها، وخشوا أن يتزوجها لأن أمها من الجان فتتسلط عليهم معه وذكر بعضهم أن حافرها كان كحافر الدابة.

ثم إن سليمان u لما أراد إزالته ـ حين عزم على تزوجها ـ سأل الإنس عن زواله فذكروا له الموسى، فامتنعت من ذلك، فسأل الجان فصنعوا له النورة ووضعوا له الحمام، فكان أول من دخل الحمام فلما وجد مسه قال:( أوه من عذاب أوه أوه قبل أن لا ينفع أوه )

وقد ذكر الثعلبي وغيره أن سليمان لما تزوجها أقرها على مملكة اليمن وردها إليها، وكان يزورها في كل شهر مرة، فيقيم عندها ثلاثة أيام ثم يعود على البساط، وأمر الجان فبنوا له ثلاثة قصور باليمن: غمدان وسالحين وبيتون.

قال: طهروا كتب تفسيركم من هذا الرفث، فالحقائق الجميلة الطاهرة للقرآن الكريم لا ينجسها إلا هذا اللغو الذي تملأون به أسفاركم، وتضيعون به أوقاتكم، وتنشغلون به عن ربكم.

قلت: ألا يمكن، يا معلم، أن نستفيد من موقف سليمان u مع ملكة سبأ فنجعله أسلوبا من أساليب الدعوة لله في عصرنا؟

قال: بل لم يذكره القرآن الكريم إلا لتستخدموه، فلو أن رجالا من هذه الأمة رفعوا هممهم وسخروا السنن التي وضعها الله لهم، وامتطوا صهوة الزمان، فأخرجوا الأمة من غياهب التخلف والمعاناة، وأوصلوها إلى التقدم والتطور الذي لا يحجب عن الله لتحقق بذلك نصر الله الذي يدخل الناس بسببه في دين الله أفواجا.

قلت: ولكن النصر ـ كما أتصوره ـ نصر جيوش.

قال: ذلك نصر المصارعين، أما المسالمون فهم الذين ينتصرن بأقلامهم ودفاترهم، وفؤوسهم ومعاولهم.

حقوق النفس

اقتربت من الباب الثاني من أبواب الأخلاق المتفرعة من أبواب التدريب، فلمحت صورتي على الباب، فقلت للمعلم: أهذا باب أم مرآة؟

قال: بل هو باب.

قلت: ولكني أرى صورتي تتجلى فيه.

قال: نعم، وهو باب تتجلى فيه صور النفوس، هذا الباب هو باب نفسك.

قلت: نفسي .. إذن هو باب قبيح كقبحها.

قال المعلم: ومن قال لك بأن نفسك قبيحة؟

قلت: أليست النفوس هي مرتع الخبث، وهي مرعى الشيطان، وهي مصيدة الدنيا .. أليست النفس هي التي نازعت الله ملكه، ونازعت الروح سلطانها، وسلمت كل الأكوان لكل أنواع الصراع.

قال: ولكنه لولا النفس ما تحقق سير السائرين.

قلت: لكأني بك تذكرني بحكمة ابن عطاء الله:( لولا ميادين النفوس ما تحقق سير السائرين، إذ لا مسافة بينك وبينه حتى تطويها رحلتك، ولا قطعة بينك وبينه حتى تمحوها وصلتك )

قال: أجل، فلولا شهوات النفوس ومألوفاتها التي تخوض فيها وتتعشقها، كما تخوض الفرسان في الميادين الواسعة التي تجول فيها الخيل، ما تحقق سير السائرين، ولا تحققت بالمعارف التي تنتشر عليك من مجاهدتك لنفسك.

قلت: فالتخلق مع نفسي أن أجيعها وأذيقها ألوان الموت التي ذكرها العارفون، كما قال ناطقهم:

فأوردتها ما الموت ليس بعضه  وأتعبتها كي ما تكون مريحتي

ولم يبق هول دونها ما ركبته   وأسهد نفسي فيه غير زكيتي

قال: ذاك مقام المجاهدة، وسترى أغراضه وحقيقته عند:( مكابدات العارفين )، ولكن هذا مقام التخلق مع النفس، وهو يستدعي التأدب معها.

قلت: وأي أدب لي مع نفسي وهي مهينتي وحجابي عن ربي.

قال: أدبك معها أن تسلمها الذي لها، فلا يمكن أن تصل إليه بدونها.

قلت: وما أسلمها؟

قال: حقوقها .. تعامل معها كما تتعامل مع الأجانب، ألست تعطيهم حقوقهم؟

قلت: بلى، ولو أني قصرت لكنت ظالما.

قال: فتقصيرك في حق نفسك ظلم لها.

قلت: قد زهدني في نفسي ما رأيت من رغبة قومي في نفوسهم، وحرصهم عليها، وتضييعهم حقوق الناس بسببها.

قال: ولكنهم ضيعوا حقوق نفوسهم مع أول تضييع لحقوق غيرهم.

قلت: كيف؟

قال: ألم يعتبر الله تعالى الغافلين المخادعين المضلين الظالمين الخائنين الهالكين الخاسرين لم يجاوزا أنفسهم بذلك؟

قلت: بلى، ففي القرآن الكريم إخبار بذلك، فهو يقول في المخادعين:) يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ( (البقرة:9)

ويقول في الظالمين:) وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ وَأَنْزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ( (البقرة:57)، ويقول:) مَثَلُ مَا يُنْفِقُونَ فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ أَصَابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْهُ وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلَكِنْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ( (آل عمران:117)، ويقول:) وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ( (آل عمران:135)

ويقول في المضلين:) وَدَّتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ( (آل عمران:69)

ويقول في الخائنين:) وَلا تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَنْ كَانَ خَوَّاناً أَثِيماً( (النساء:107)

ويقول في الكاذبين:) انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ( (الأنعام:24)

ويقول في الخاسرين:) الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمُ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ( (الأنعام:20)، ويقول:) وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ بِمَا كَانُوا بِآياتِنَا يَظْلِمُونَ( (لأعراف:9)

ويقول في الهالكين:) وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ وَإِنْ يُهْلِكُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ( (الأنعام:26)

قال: ولهذا، فإن أول حق يطلب من المؤمن أداؤه بعد حق الله حق النفس، ألم تسمع قوله - صلى الله عليه وسلم -:( إن لأهلك عليك حقا، وإن لضيفك عليك حقا، وإن لنفسك عليك حقا، فصم وأفطر وصل ونم )[48]

قلت: فكيف أؤدي حق نفسي؟

قال: لكل باب من الأبواب حق من حقوق النفس.

قلت: فحقها في هذا الباب.

قال: أربعة: الطاقة، والراحة، والصحة، وحقها الاجتماعي.

قلت: ستجدنا في عصرنا ـ في عصر حقوق الإنسان ـ من أعظم الموفين بهذه الحقوق.

قال: بل من أعظم المقصرين فيها.

1 ـ حق الطاقة:

قلت: فما حق الطاقة؟

قال: أن لا تجاوز بنفسك وسعها، ألم تسمع قوله - صلى الله عليه وسلم -:( إياكم والوصال)، قيل: إنك تواصل؟ قال:( إنكم لستم في ذلك مثلي، إني أبيت يطعمني ربي ويسقيني، فاكلفوا من العمل ما تطيقون )[49]

قلت: بلى، وقد قال - صلى الله عليه وسلم -:( عليكم من العمل ما تطيقون فإن الله تعالى لا يمل حتى تملوا )[50] .. ولكن هذا خاص بالتعبدات.

قال: ومن قال هذا؟ أليس العمل عبادة؟ أولم يقل - صلى الله عليه وسلم -:( لا تستبطئوا الرزق، فإنه لم يكن عبد يموت حتى يبلغه آخر رزق هو له، فاتقوا الله وأجملوا في الطلب، أخذ الحلال، وترك الحرام )[51]، وقال:( أيها الناس اتقوا الله وأجملوا في الطلب، فإن نفسا لن تموت حتى تستوفي رزقها، وإن أبطأ عنها، فاتقوا الله وأجملوا في الطلب، خذوا ما حل ودعوا ما حرم )[52] وقال:( للمملوك طعامه وكسوته ولا يكلف إلا ما يطيق فإن كلفتموهم فأعينوهم ولا تعذبوا عباد الله خلقا أمثالكم )[53]، فقد ربط - صلى الله عليه وسلم - بين تكليفهم ما يطيقون والعذاب.

قلت: ولكن ألسنا في حاجة إلى بذل جهود مضاعفة لكي نحقق النهظة التي نحلم بها، والتي تجعل غيرنا تبعا لنا.

قال: اكتفوا بجهودكم وطاقتكم، ألم تسمع قوله - صلى الله عليه وسلم -:( إن هذا الدين متين فأوغل فيه برفق فإن المنبت[54] لا أرضا قطع ولا ظهرا أبقى )

قلت: ولكن هذا في الدين.

قال: ألم أقل لك: إن أحكام الدين لا تختلف عن أحكام الدنيا، فرب الدنيا هو رب الدين .. قل لي: لو أن سيارتك لا تتحمل إلا ثقلا معينا، ثم حملت عليها أو حملتها ثقلا يفوق طاقتها.

قلت: ستهلك إن عاجلا أو آجلا.

قال: وحينذاك لن تستفيد منها شيئا.

قلت: لقد ذكرتني بقوله - صلى الله عليه وسلم -:( اكلفوا من العمل ما تطيقون، فإن الله لا يمل حتى تملوا، وإن أحب العمل إلى الله أدومه، وإن قل )

قال: فقد ربط - صلى الله عليه وسلم - بين عدم مجاوزة الطاقة في العمل، وبين الملل، فالملل سبيل كل من جاوز نفسه حدها من الطاقة.

قلت: لقد ذكرتني بكثير من الجهود التي تفرزها الحماسة، ثم يميتها الاستعجال.

قال: ويميتها قبل ذلك عدم فهم أسرار نفس الإنسان، فخالق النفس هو الذي قال لنا:) لا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا ( (البقرة: من الآية233)، وقال:) لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ ( (البقرة: من الآية286)

قلت: وكأنه يضع لنا بذلك ما يضعه صانعو الأجهزة الحديثة من مقاييس لمدى تحملها، وأنواع الطاقة التي تحتاجها.

قال: نعم، ذلك تشبيه صحيح، مع فارق بسيط هو أن الله تعالى زود الإنسان بطاقة تعجز جميع أجهزة الدنيا أن تضارعها.

قلت: كيف، لكأني بك ترتد على ما قلت.

قال: لا أرتد على ما قلت، ولكني أقول: إن في وسع الإنسان إذا ما توفرت الإرادة والعزيمة والتخطيط أن ينقل الجبال من مواضعها .. ألم تعرف ما فعل الصحابة y من حفر الخندق، وهم فئة قليلة جائعة؟

قلت: بلى.

قال: فقد استخدموا بعض طاقاتهم فقط في ذلك.

قلت: إذن نحن لا نستخدم طاقتنا.

قال: لا .. أنتم تستخدمونها، ولكنكم تبعثرون جهودكم.

قلت: كيف؟

قال: لو طلب منكم حفر خندق كما طلب النبي - صلى الله عليه وسلم - من أصحابه، فحفروه في أقل مدة، وحموا به مدينة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ماذا تتصور قومك يفعلون؟

قلت: سيبدأون أولا بتشكيل لجان تقسم المهام.

قال: ثم ماذا؟

قلت: سيختلفون فيمن يرأس اللجان.

قال: ثم ماذا؟

قلت: سيضطرون إلى إجراء انتخابات.

قال: ثم ماذا؟

قلت: سيضطر أصحاب تلك اللجان إلى الاتصال بالعمال لإقناع كل طرف العمال بانتخابه مقابل التخفيف عنهم من أعباء الحفر، أو استيراد وسائل جديدة للحفر، أو استحضار عمالة أجنبية لتقوم بالحفر.

قال: ثم ماذا؟

قلت: ستجرى الانتخابات .. وسيطعن فيها .. وستظهر المعارضة .. وقد تسفك الدماء .. وقد تحصل اعتقالات.

قال: والخندق الذي يحمي مدينة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من كيد الأحزاب وبني قريضة؟

قلت: سيطلبون من الأحزاب ومن بني قريضة حفره مقابل تسليمهم المدينة بدون حرب.

قال: وما فائدة الخندق إذن؟

قلت: سيؤمنون لأنفسهم بذلك مقابر محترمة قريبة من مدينة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. 

قال: أرأيت .. أنتم تبذلون جهودا كثيرة وتبعثرونها، فتتعبون وتنصبون ثم لا تنالون شيئا.

قلت: يا معلم لكأنك تقرأ علينا قوله تعالى:) وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ( (الغاشية:2 ـ 3)، أي أن هذه الوجوه قد عملت عملاً كثيراً ونصبت فيه، وصليت يوم القيامة ناراً حامية، وعلى هذا تأولها عمر t، فقد مرَّ بدير راهب، فناداه: يا راهب، فأشرف، فجعل عمر t ينظر إليه ويبكي، فقيل له: يا أمير المؤمنين ما يبكيك من هذا؟ قال: ذكرت قول اللّه تعالى في كتابه:) عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ ( (الغاشية:2 )، فذاك الذي أبكاني )

قال: بل أنتم كما قال تعالى:) وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ( (النور:39)

قلت: فبم توجهنا؟

قال: استجمعوا أنفاسكم أولا لتعرفوا ما تفعلوا .. فإذا استجمعتموها فانظروا إلى ما عندكم من الطاقات الفردية والجماعية، ثم خططوا لأنفسكم بحسب طاقاتكم، ألم يقل الله تعالى:) وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ (لأنفال: من الآية60)

2 ـ حق الراحة

قلت: فما حق الراحة؟

قال: هو حق النفس في استرداد أنفاسها، ألم يجعل الله النوم سباتا؟

قلت: بلى، فالقرآن الكريم تحدث عن هذا كثيرا من باب تعداد نعم الله على عباده، فقال تعالى:) وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتاً( (النبأ:9)، أي قطعاً للحركة لتحصل الراحة من كثرة الترداد، والسعي في المعايش في عرض النهار.

قال: والراحة تستدعي توفير الجو الملائم لها.

قلت: ذلك صحيح، ولهذا خلق الله تعالى الليل، وجعله لباسا، كما قال تعالى:) وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِبَاساً وَالنَّوْمَ سُبَاتاً وَجَعَلَ النَّهَارَ نُشُوراً( (الفرقان:47)

بل إن الله تعالى في تعداده نعمه على خلقه يجعل الليل من النعم العظمى، وهو دليل على ما للراحة من أثر كبير في حفظ قوى الإنسان، قال تعالى:) قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَداً إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاءٍ أَفَلا تَسْمَعُونَ قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَداً إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلا تُبْصِرُونَ( (القصص:71 ـ72)

قلت: ولكن الأعمال في عصرنا تستدعي في أحيان كثيرة مواصلة الليل بالنهار.

قال: إن دعت الضرورة إلى ذلك، فلتنظموا ذلك تنظيما تراعى فيه الراحة وتحفظ فيه الصحة، فلا ينبغي أن تداووا داء بأدواء.

قلت: ولكن الضرورات تستدعي ذلك.

قال: والضرورات تستدعي أن تؤدى الأعمال متقنة، ولا يمكن أن يؤدي المرهق عمله بإتقان، ألم تعلم أن الله تعالى من رحمته بأهل بدر أن رزقهم النعاس والنوم في وقت تنخلع فيه القلوب، واعتبر الله تعالى ذلك من أسباب ربط قلوبهم وتثبيتها وتقويتها، قال تعالى:) إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدَامَ( (لأنفال:11)

قلت: بلى، ولأجل هذا نهى - صلى الله عليه وسلم - أن يقضي القاضي بين اثنين وهو غضبان، وقد قاس العلماء هذا ممن هو في شكله، قال في الروض المريع:( أو وهو حاقن أو في شدة جوع أو في شدة عطش أو في شدة هم أو ملل أو كسل أو نعاس أو برد مؤلم أو حر مزعج لأن ذلك كله يشغل الفكرالذي يتوصل به إلى إصابة الحق في الغالب فهو في معنى الغضب )[55]

قال: ويقاس على هذا ما تعيشونه من ضجر من كلفوا بخدماتكم نتيجة الإرهاق الذي يعانونه.

قلت: فما الحل، والضرورات كثيرة؟

قال: أنتم الذين تفكرون في الحلول .. أم أنكم تتقنون فقط التفكير في تكثير الضرورات.

قلت: لقد أرشدنا - صلى الله عليه وسلم - إلى القيلولة كحل من حلول الراحة، فقال:( قيلوا، فإن الشياطين لا تقيل )[56]، وقد أكد العلم الحديث دور القيلولة في زيادة إنتاج الفرد، وتحسين قدرته على متابعة نشاطه اليومي، وقد أكد الباحثون في دراسة نشرت في مجلة ( العلوم النفسية )  عام 2002 أن القيلولة لمدة 10 – 40 دقيقة ( وليس أكثر ) تكسب الجسم راحة كافية، وتخفف من مستوى هرمونات التوتر المرتفعة في الدم نتيجة النشاط البدني والذهني الذي بذله الإنسان في بداية اليوم .

ويرى العلماء أن النوم لفترة قصيرة في النهار يريح ذهن الإنسان وعضلاته، و يعيد شحن قدراته على التفكير والتركيز، ويزيد إنتاجيته وحماسه للعمل.

وأكد الباحثون أن القيلولة في النهار لمدة لا تتجاوز 40 دقيقة لا تؤثر على فترة النوم في الليل، أما إذا امتدت لأكثر من ذلك، فقد تسبب الأرق وصعوبة النوم .

وتقول الدراسة التي تمت تحت إشراف الباحث الأسباني د. إيسكالانتي:( إن القيلولة تعزز الذاكرة والتركيز، وتفسح المجال أمام دورات جديدة من النشاط الدماغي في نمط أكثر ارتياحا )

كما شدد الباحثون على عدم الإطالة في القيلولة، لأن الراحة المفرطة قد تؤثر على نمط النوم العادي، وأشار (  د. إيسكالانتي ) إلى أن الدول الغربية بدأت تدرج القيلولة في أنظمتها اليومية، وأوصى بقيلولة تتراوح بين 10 – 40 دقيقة[57].

قال: فوفروا الفرصة لعمالكم بأن يطبقوا هذه السنة العظيمة.

قلت: كيف ذلك .. إن العامل بالكاد يجد موضعا لقدمه، فكيف يجده لنومه.

قال: ابحثوا .. فستجدون من الحلول ما يجعل في عمله من الراحة ما يفوق راحة كسله.

قلت: أرى أن الحديث في هذا يحوي بعض المبالغة ..

قال: أتعرف الكاروشي؟

قلت: فما الكاروشي؟

قال: هذا يبينه لك ..

أشار إلى رجل تظهر عليه ملامح اليابانيين، فقال الرجل من غير أن أساله[58]:  أظهرت مجموعة من الدراسات في عدد من الدول أن بعض الناس يقومون فعلا بقتل أنفسهم عندما يستمرون بالعمل، وذلك ناتج عن عدة عوامل من بينها مكان العمل والإنهاك وساعات العمل الطويلة ... 

قاطعته قائلا: أنا أسأل عن الكاروشي.

قال: أنا من اليابان .. ونحن نعايش في مجتمعنا ما نسميه ظاهرة الـ(كاروشي)، وهو اصطلاح نشير به إلى حالات الموت الناتجة عن الإسراف في العمل.

قلت: أيصل الأمر إلى الموت؟

قال: في دراسة أجريت على 526 رجلا يابانيا تتراوح أعمارهم بين 30 و69 سنة تم التأكيد على صحة القول بأن ساعات العمل الطويلة تؤدي إلى أضرار شديدة في صحة العامل، وقد ضمت هذه الدراسة رجالا أصيبوا بنوبات قلبية مع آخرين سليمي البنية وينتمون إلى ذات الفئة العمرية ونوع الوظيفة.

قلت: فما كانت النتيجة؟

قال: لقد تبين أن كل الذين عملوا بمعدل 11 ساعة في اليوم هم معرضون للإصابة بالنوبات القلبية أكثر بمرتين ونصف تقريبا من الذين عملوا بمعدل 7-9 ساعات في اليوم، وذلك دون تفريق بين من أصيب بها سابقا ومن لم يصب.

قلت: ألا يمكن أن يكون للإجهاد النفسي تأثيره في هذا؟

قال: صحيح ذلك .. ولكن الأسباب النفسية أو ما يطلق عليه الأطباء اسم (مؤشر الإجهاد) لا تقدم التفسير الكافي لهذه الحالة، وحتى عند تحري وجود حالات ارتفاع ضغط الدم وارتفاع نسبة الكولسترول والسكري والسمنة والتدخين، فقد تبين أن عدد ساعات العمل هي العامل الوحيد الذي كان يؤثر على نتائج الدراسة في ترجيح احتمال حدوث النوبات القلبية.

ومن المعلوم عن اليابانيين أنهم مدمنون على العمل، وقد تم تهيئة ظروف العمل عندهم لتكون مرنة وقادرة على التخفيف من تعبهم، وعندما يطلع العمال من باقي الشعوب على ظروف عملهم يعجبون كيف أن العامل يصاب بالإنهاك مع كل هذه المرونة!

وفي عام 1997م قام فريق عالمي بدراسة النتائج التي توصل إليها عدد من الأبحاث التي أجريت حول علاقة العمل بالصحة، وقد تفاوتت الأبحاث في دراستها لحالات متنوعة كالنوبات القلبية والإجهاد النفسي والإنهاك، وكان استنتاج الفريق أن علاقة صغيرة - لكنها ثابتة ومهمة- تربط بين ساعات العمل وحدوث المشاكل الصحية عند كلا الجنسين.

قلت: أكان اهتمام هذه الدراسات مركزا على ساعات العمل فقط؟

قال: لقد ركزت الدراستان السابقتان على دور ساعات العمل، ولم تعر بالا إلى ظروف العمل، لكن دراسة سويدية في عام 1996م فعلت ذلك، فقامت باستقصاء مجموعة من العمال الذين مضى على بداية عملهم أكثر من 14 سنة وبلغ تعداد أفراد المجموعة 12500 عامل، وسجلت الحاجات الجسدية والنفسية التي تحتاجها وظيفة كل عامل بالإضافة إلى عمره وفيما إذا كان يدخن أم لا، وممارسته للرياضة ومستواه الثقافي والاجتماعي.

قلت: فما كانت نتائج ذلك؟

قال: لقد جاءت النتائج مؤكدة على الدور الخطير لأمرين اثنين يؤديان إلى حصول الوفاة بمرض قلبي ما.

قلت: فما أولهما؟

قال: ظروف العمل السيئة .. فالعامل في وسط ظروف سيئة معرض لمرض قلبي أكثر من غيره بمرتين تقريبا.

قلت: فما الثاني؟

قال: نقصان الدعم الاجتماعي كغياب الأسرة أو الأصدقاء .. فالعامل الذي لا يحظى بدعم اجتماعي مقبول معرض لمرض قلبي أكثر من غيره بمرتين ونصف تقريبا.

قلت: أللدعم الاجتماعي هذا الأثر؟

قال: لقد أظهرت دراسة دانمركية أجريت على 2465 شخصا من سائقي الحافلات أن ازدحام الطرق يؤدي إلى تضاعف خطر الإصابة بتوقف القلب عندهم، ويتفاقم هذا الخطر في حالة نقص الدعم الاجتماعي.

قلت: لقد ذكرت تأثير الاجهاد في الوفاة.

قال: لقد استنتجت دراسة في السويد أن الإجهاد في العمل هو السبب المحتمل لوفاة 500 عامل خلال سبع سنين وذلك لظروف عملهم السيئة.

وفي إيطاليا بيَّن المسح الشامل لـ 99092 عامل في السكك الحديدية أن حدوث النوبات القلبية لديهم يزداد بازدياد مسؤولية الوظيفة ونقصان الجهد الجسدي.

قلت: أترى أن هذه الدراسات تكفي لما قررته.

قال: صحيح .. فمع أن هذه الأبحاث تحتاج إلى أبحاث أخرى تدعم نتائجها، فإن النتائج التي تتوفر لدينا الآن كافية للادعاء بأن الإجهاد في العمل قد يؤدي إلى زيادة خطر حصول الوفاة إثر مرض قلبي، وإلى جانب هذا يجب النظر باهتمام إلى الدور الخطير لترافق الإجهاد مع الضغط النفسي وظروف العمل السيئة ونقصان الدعم الاجتماعي.

قلت: فكيف يقوم الإجهاد بالتأثير على الصحة؟

قال: لقد عرفت بعض ذلك في ابتسامة الأنين .. فالإجهاد النفسي يزيد مستوى الأدرينالين والكورتيزون في الدم، وهما الهرمونان اللذان يعرفان بهرموني الإجهاد.

قلت: نحن نتحدث عن الاجهاد البدني.

قال: هو يزيد من ضغط الدم وسرعة القلب ويؤثر على انتظامه (اضطراب النظم القلبي)، كما يؤدي الإجهاد إلى تفعيل عمل الصفيحات الدموية مما يؤدي إلى تشكيل خثرات قد تسد الشرايين التاجية المنهكة، وعلاوة على ذلك يعلم الأطباء منذ سنين عديدة أن الغضب خصوصا يحدث نوبات قلبية، وأن اختبارات الإجهاد النفسي أدق من اختبارات الإجهاد الجسدي في التنبؤ بحدوث المشاكل القلبية.

قلت: الغضب!؟

قال: أجل .. فالغضب سبب أساسي من أسباب الإجهاد الناتج عن العمل، والأشخاص الذين تتسم شخصياتهم بقدر كبير من الغضب والعدائية يصنفون ضمن الزمرة الأكثر تعرضا لأمراض القلب.

وفي عام 1986م انتهت دراسة دامت 25 سنة على 1305 من الرجال (معدل أعمارهم 61 سنة) حيث خضعوا لاختبار (MMPI-2) وهو اختبار يتم فيه تقدير الغضب بشكل كمي، حيث تم تسجيل مستوى الغضب والعدوانية لكل شخص، ثم خضعوا لفحوص طبية شاملة دقيقة كل سبع سنوات وذلك لتقصي وجود مسببات لحدوث المشاكل القلبية والوعائية كالتدخين وارتفاع الضغط والكولسترول.

وكان كل أفراد الدراسة سليمين من المشاكل الوعائية عند بداية الدراسة، لكنه خلال سبع سنين أصيب 110 منهم بمشاكل قلبية، وتبين أن مستوى الغضب العالي عند أي منهم ينذر بتزايد احتمال ظهور مشكلة قلبية لديه، وظهر أن خطر الإصابة بمشكلة في الشريان التاجي أكبر بثلاث مرات عند شديدي الغضب منه عند غيرهم، وبدا بشكل جلي أن الغضب يستطيع لوحده أن يؤدي إلى الإصابة بآفة قلبية دون تدخل عوامل مساعدة كالتدخين واضطراب ضغط الدم.

وليس القلب هو المتأثر الوحيد بتأثيرات الغضب، بل إن الدماغ يقع تحت تأثير مشابه، وهذا ما أكدت عليه دراسة أجريت على 2000 رجل لمدة سبع سنوات، حيث أظهرت النتائج أن معدل الإصابة بالسكتة الدماغية عند الأشخاص شديدي الغضب هو ضعف المعدل عند غيرهم، دون أن يكون هناك دور للعوامل الأخرى المحتملة كارتفاع ضغط الدم والتدخين وإدمان المسكرات والسكري والسمنة وارتفاع نسبة الكولسترول.

قلت للمعلم: إن ما ذكره أخونا الياباني من الدراسات يدعو إلى التقاعد المبكر.

قال: نعم .. ذلك صحيح .. وذلك ما يجب أن يفعله كل عامل.

قلت: بعد أي مدة؟

قال: عند بدايته العمل .. وفي اليوم الأول منه.

قلت: أنت تدعوا إلى تفريغ المصانع من العمال.

قال: أنا أدعو إلى تفريغ العمل من التعب والإجهاد الذي يستهلك قواهم، ويضر صحتهم.

قلت: فإذا تقاعدوا من ينوبهم في المعامل والمصانع والمؤسسات.

قال: هم ينوبون أنفسهم.

قلت: كيف ذلك؟

قال: ألم نتحدث عن القيلولة؟

قلت: بلى .. وما علاقتها بهذا؟

قال: هي نوع من التقاعد.

قلت: كيف ذلك؟

قال: إن راحة العامل بعد عمله يجدد نشاطه ويملؤه بالحيوية التي يفقدها بتقاعده.

قلت: أتنصح بالقيلولة وحدها؟

قال: وأنصح بالاحتساب .. فمن احتسب عمله لله رزقه الله من القوة ما يزعزع الجبال.

قلت: هي أجورنا .. وليس لنا منها بد.

قال: الاحتساب لا يتنافى مع طلب الأجر.

قلت: فكيف يكون احتسابا؟

قال: إذا كان العمل لوجه الله لا يضره شيء.

قلت: فدلني على أمر آخر أنصح به قومي.

قال: سأدلك على وصفة نبوية تملأكم بالقوة.

قلت: فما هي؟

قال: قوله - صلى الله عليه وسلم -  لفاطمة ـ رضي الله عنها ـ:( ألا أدلك على ما هو خير لك من خادم! تسبحين الله ثلاثا وثلاثين، وتحمدين ثلاثا وثلاثين، وتكبرين أربعا وثلاثين حين تأخذين مضجعك)[59]

قال: فكيف عرفت أن هذه الوصفة لما وصفت؟

قال: لقد أخبر - صلى الله عليه وسلم - أن هذه الوصفة خير لها من الخادم، وهو دليل على أنها تعطيها من القوة ما يغنيها عن الخادم.

3 ـ حق الصحة

قلت: فما حق الصحة؟

قال: هو حق النفس في الاحتفاظ بقواها التي حباها الله إياها، ألم يأمر الشرع بحفظ الصحة، ونهى عما يجلب العلل؟ 

قلت: بلى، وقد عرفنا تفاصيل ذلك في ( ابتسامة الأنين )

قال: ألم ينه الله تعالى المريض عن الصيام مرتين متتاليتين في الآيات القليلة التي جاء فيها الأمر بركن من أركان الإسلام؟

قلت: أجل، فمع أن الآيات المختصة بالصوم قليلة إلا أن الله تعالى ذكر رفع الحرج عن المريض مرتين في آيتين متتاليتين، فقال:) أَيَّاماً مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدىً لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ( (البقرة:184 ـ 185)

قال: ومثل ذلك الحج .. ألم يذكر الله فيه أحكام المريض، ورفع الحرج عنه؟

قلت: بلى، فالله تعالى لم يذكر أركان الحج بأسمائها وتفاصيلها، ولكنه مع ذلك ذكر الحلول التي يلجأ إليها المريض للتمكن من أدائه، فقال تعالى:) وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ وَلا تَحْلِقُوا رُؤُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ بِهِ أَذىً مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ( (البقرة:196)

قال: ومثل ذلك غير ذلك من المسائل.

قلت: نعم، النصوص واضحة في رفع الحرج عن المريض، وقد قال تعالى:) لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَنْ يَتَوَلَّ يُعَذِّبْهُ عَذَاباً أَلِيماً( (الفتح:17) .. ولكن، يا معلم ما علاقة هذا بما نحن فيه، فنحن نتحدث عن أعمال الدنيا؟

قال: أعمال الدنيا هي أعمال الآخرة، وما فائدة عمل نجلب به قوتا ونقتل به عضوا، وإذا كان الله تعالى مع خلقه لنا لعبادته رخص لنا في ترك صور من العبادة لأجل الحفاظ على صحتنا، أفلا يصح لنا نحن أن نستغني عن بعض الأعمال إذا ما رأينا خطرها على صحتنا؟

قلت: لكأني بك تريد أن تقعد الناس عن أعمالهم.

قال: لماذا .. الأعمال كثيرة ومباركة، فمن قال بأن الدعوة للحفاظ على صحة العمال أمر لهم بالقعود.

قلت: المختصون قالوا ذلك،واسمع لما يقول أحدهم[60]، وهو يتحدث عن أنواع الأمراض المهنية، يقول الدكتور حسان المالح:( من المؤكد أن المهنة التي يمارسها الإنسان تؤثر في شخصيته وأساليبه وتفكيره, وأيضا في أمراضه واضطراباته .. الجسدية منها والنفسية.

فمن المعروف أن هناك أمراضا مهنية يتعرض لها الأشخاص الذين يمارسون مهنة معينة بنسب تفوق معدلات هذه الأعراض عند عموم الناس.

حيث يتعرض مثلا العاملون في المواد الكيميائية وعمال المناجم لأمراض صدرية انسدادية وسرطانية واعتلالات في الكبد والكلية والدم وغيرها, وذلك بسبب الغازات والغبار الذي يتعرضون له أثناء عملهم, كما يتعـرض العاملون في تربية المواشي ونقلها وذبحها لعدد من الالتهابات الخاصة بسبب انتقال العدوى لهم من الحيوانات مثل مرضى الحمى المالطية (Brucellosis) وغيرها.

وقد دلت الدراسات على أن مرض الفصام (Schizophrenia) ينتشر بنسبة أكثر في الطبقات الاجتماعية المتدنية، وبالتالي في مهن خاصة وأعمال ذات مردود مالي أقل مقارنة بين المرضى وآبائهم. ولا يعني ذلك أن الفقر يسبب الفصام بل لأن المرض نفسه يؤدي إلى تدهور الشخصية وقدراتها وطموحها مما يجعل المرضى المصابين يتدهورون في السلم الاجتماعي والمهني.

وينتشر اضطراب الهوس الاكتئابي الدوري (Manic depressive Disorder) في الطبقات الاجتماعية العليا مثل التجار ورجال الأعمال وغيرهما وربما يكون ذلك بسبب ازدياد النشاط والتفاؤل والطموح وروح المغامرة والثقة بالنفس والسلوك الاجتماعي الواسع, والذي يميز بعض مراحل هذا الاضطراب ولاسيما الدرجات الخفيفة منه.

ويرتبط الانتحار (Suicide) بالطبقات الاجتماعية المتدنية بنسب مشابهة للطبقات الاجتماعية العليا, ويقل في الطبقات الاجتماعية المتوسطة, ويتبين ذلك من خلال (المهن الموازية لهذه الطبقات).

ولقد وجد أنه في (المهن الطبية) يزداد (عدم التوافق الزوجي) و(الطلاق) وأيضا (الاكتئاب) وتبلغ نسبة الانتحار أعلاها في الأطبـاء اختصاصيي التخدير ثم يليهم أطباء العيون ثم الأطباء النفسيون, وفقا لبعض الدراسات. وتتعدد تفسيرات ذلك ومنها أنه ربما يكون النصيب الأقل الذي يحظى به طبيب التخدير مقارنة مع الطبيب الجراح من حيث التقدير بمختلف أشكاله في العمليات الجراحية الناجحة إضافة لتحمله للعبء الأكبر في حالات العمليات الفاشلة, دورا في ذلك.

وفي (المهن الأدبية الإبداعية) تزداد نسبة الاضطرابات الاكتئابية (Depression) بشكل واضح مقارنة مع مجموع الناس وتشمل هذه المهن كتاب الرواية والقصة والمسرح وكتاب النثر والشعراء. بينما تتقارب نسبة النوبات الاكتئابية الشديدة لدى العلماء والسياسيين والمؤلفين الموسيقيين والرسامين من النسب العامة للاكتئاب في المجتمع.

وتتعدد تفسيرات ذلك ومنها طبيعة العمل الإبداعي الأدبي نفسه من حيث الحساسية الخاصة التي يمتلكها الكتاب لأشكال المعاناة المختلفة وتوحدهم (Identification) مع شخصيات أعمالهم, وأيضا تعرضهم لأنواع الإحباط المختلفة, والاستعداد الشخصي, وغير ذلك.

ويزداد الاضطراب الهوسي (Maina) والهوس الخفيف واضطراب المزاجية الدوري (Cyclothymic Disorder) لدى العاملين في (المهن الصحفية والإعلامية) كما تدل عليه الملاحظات.

وتدل الدراسات على أن مهنة التشرد والتسول يزداد فيها عدد المصابين بالفصام والإدمان على الكحول وغيره. كما أن المهن اليدوية (Manual jobs) التي لا تتطلب مهارات خاصة مثل الرعاة والأعمال العضلية المساعدة والأعمال المنزلية وغيرها, يزداد فيها الأشخاص ذوو الذكاء المنخفض وأيضا الفصام والاكتئاب.

وفي عدد من الدراسات على ربات البيوت (House wives) تبين أن الاكتئاب يزداد لديهن مقارنة مع النساء العاملات في مهن وأعمال أخرى.

وتزداد الاضطرابات التحويلية الهسيتريائية(Conversion) والاضطرابات التجسيمية (الشكاوى الجسمية المتعددة نفسية المنشأ) لدى الأشخاص ذوي الثقافة التعليمية المتدنية وبالتالي في المهن والأعمال الموازية لذلك.

ويندر الاضطراب الوسواسي القهري (Obssessive compulsive disorder) في المهن الأدبية الإبداعية, وربما يزداد في المهن الدينية, ويزداد الاضطراب الهذياني الشك ـ الزور (Delusional Disorder) لدى (أسرى الحرب) وفي (السجون) ولاسيما في حالات السجن الانفرادي, وغير ذلك.

كما أن (إصابات العمل) في عدد من المهن العضلية والحرفية يمكن أن تؤدي إلى اضطراب نفسي يتميز بشكاوى جسمية ونفسية وآلام ترتبط بالإصابة العضوية الأصلية ولكن لا تتناسب معها في شدتها أو إزمانها, ويسمى ذلك عصاب التعويض (Compensation neurosis) وهو يرتبط بإمكانية الحصول على تعويض مالي بسبب الإصابة الأصلية.

وهناك ما يسمى باضطراب الشدة عقب الصدمة(Post-traumatic stress disorder) وهو يتميز بأعراض القلق والتوتر والأرق وتذكر الفجيعة وغير ذلك, وهو يلي حدوث أحداث فاجعة وأليمة مثل الحوادث والموت المفاجيء والاغتصاب والحروب والكوارث وغيرها. وهذا الاضطراب يمكن أن يصيب فئات من مهن مختلفة بعضها اعتيادية وبعضها من المهن الخطرة العسكرية وغيرها.

كما أن الموظفين في الأعمال الكتابية الروتينية (والأرشيف) يتميزون بالصفات الوسواسية والإفراط في النظام والترتيب والعناد وضيق الأفق والروتين (البيروقراطية).

وفي المهن الإدارية وأرباب الأعمال تنتشر نمط الشخصية المسماه بنمط أ (Type (A) personality) والتي تتميز بالتوتر والحدة الانفعالية والاحساس المفرط بالوقت (عدم الانتظار) والطموح الزائد والرغبة بالإنجاز والتنافس الشديد.

وفي (الأعمال العسكرية والأمنية) تزداد صفات العدوانية والشدة والمغامرة والاندفاعية والشك. وفي مهنة (التمثيل) تزداد القدرات والصفات الإيحائية (Suggestability) مما يساعد على تقمص الممثل أو الممثلة للدور الذي يقوم به. وتزداد لديهم أيضا صفات النرجسية وحب الظهور ومثلهم في ذلك (المغنون).

وتتطلب (المهن العلمية والبحث العلمي) درجات من الانطوائية والبرود الانفعالي والتفكير الذاتي والصبر والمثابرة. وفي (المهن الرياضية) تزداد صفات الاستعراض الجسدي والتنافس والعدوانية والنرجسية.

ويتعرض عمال ..

قال: يكفي هذا لكأني بك تريد أن نرفع هذا الحق من حقوق النفس.

قلت: إن الدراسات الحديثة كلها تؤيد هذا، فلا نستطيع أن نجمع بين الرقي الحضاري وبين الحفاظ على صحتنا .. الرقي الحضاري يا معلم يحتاج إلى تضحيات لا تقل عن تضحيات الشهداء.

قال: ولماذا لا تستعملون رقيكم الحضاري في الوقاية من هذه الأمراض، وفي الحفاظ على سلامة العمال النفسية والصحية.

قلت: سيقل الإنتاج حينذاك.

قال: وما فائدة كثرة الإنتاج الذي لا يوازيه إلا كثرة العلل.

قلت: هناك فائدة أخرى في كثرة العلل.

قال: وما هي؟

قال: يكثر إيراد المتاجر المرتبطة بقطع غيار جسم الإنسان.

قال: ماذا تقول؟

قلت: إن التجارة في قطع غيار جسم الإنسان تجارة مربحة.

قال: لم أفهم مرادك.

قلت: إن الطب في العصر الحديث تجارة لا يوجد ما يناظرها من التجارات، تجلس عند الطبيب لحظة واحدة، لا تكاد تتنفس فيها، ولا يكاد يسمع لك، حتى يصرفك بورقة مملوءة بالأدوية، ويمد يده لجيبك يستل منه نصف ما استطعت جمعه.

قال: لديك النصف الباقي لتعيش به.

قلت: سأسلمه للصيدلي، وأسلم له معه رهنا مقابل الباقي الذي بقي في ذمتي.

قال: أهكذا الحال عندكم؟

قلت: هو حال كثير من الناس، وهي حال جعلت التزهيد في الطبيب والدواء تزهيدا مقبولا لا يعتمد على ما ذكر الرهبان من ذلك، وإنما يعتمد على ما استدعاه الجشع والحرص.

قال: الحق أقول لك: إنكم تبتعدون كثيرا عن الإنسان بقدر اقترابكم من هذا الرقي الجشع الذي تحلمون به .. إنكم تحطمون أنفسكم من أجل لعب تافهة تحلمون بها، وعندما تصلون إليها تجدونها سرابا لا يختلف عن أي سراب.

قلت: فبم تنصحنا؟

قال: عندما يفكر أحدكم في أي مشروع لا ينس أن يضع في خطته حق العمال في الصحة والعافية، فلا ينبغي أن يستل صحتهم، ليملأ جيوبهم، فهذه مقايضة خاطئة.

قلت: وما المقايضة الصحيحة؟

قال: أن يشتري جهدهم بماله، لا صحتهم بماله.

قلت: لكأني بك تقول: إن الضمان عليه في حال حصول أي ضرر، فنحن نفعل ذلك.

قال: أنتم تسخرون على عقول العمال بذلك، فما فائدة الضمان الذي تضمنونه أو العلاج الذي تقدمونه، وأنتم تخرجون أجسادا متهالكة ونفوسا محطمة لا يجدي فيها ضمان، ولا يشفيها علاج.

4 ـ الحق الاجتماعي

قلت: فما الحق الاجتماعي؟

قال: هو حق النفس في الحفاظ على علاقتها الأسرية التي جعلها الله من الحقوق الطبيعية للإنسان المتناسبة مع فطرته.

قلت: لم أفهم يا معلم.

قال: إن الله تعالى جعل للإنسان سكنا يسكن إليه، فقال تعالى:) وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ( (الروم:21)

وقد ورد في نصوص كثيرة الإشارة إلى هذا السكن النفسي الذي يجده الإنسان مع أهله، فقال تعالى:) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ( (الانبياء:84)، وقالتعالى:) قَالُوا تَقَاسَمُوا بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ( (النمل:49)، وقالتعالى:) وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنَّا وَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ( (صّ:43)، وقالتعالى:) وَيَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُوراً( (الانشقاق:9)، وقالتعالى:) وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ( (آل عمران:121)

قلت: فما معنى كل هذه النصوص التي أوردتها؟

قال: هذه النصوص تجتمع على معنى واحد، هو أن الإنسان يرجع إلى أهله دائما ليمسح ما تراكم على نفسه من هموم وآلام، وهو معنى السكن الذي عبر عنه القرآن الكريم.

قلت: ففائدة الأهل إذن هي السكن والراحة النفسية، وهي بذلك تخفف عن العامل ما يجده من ثقل العمل، وقد يساعد ذلك على وفرة الإنتاج.

قال: ليس ذلك فحسب، بل هناك ما هو أهم من ذلك، وهو رعاية العامل لشؤون أهله المادية والمعنوية، كما قال تعالى:) وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لا نَسْأَلُكَ رِزْقاً نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى( (طـه:132)، وقال تعالى مثنيا على إسماعيل u:) وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ وَكَانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيّاً( (مريم:55)

فكلا الأمرين: السكن والرعاية من حقوق النفس، والتقصير فيهما له آثاره النفسية والاجتماعية الخطيرة.

قلت: ولكنا نفعل ذلك، فلا نحرم الأب من أبنائه، ولا الأم عنهم.

قال: بل تفعلون ذلك، وتبالغون في ذلك، فترسلون العمال إلى أماكن بعيدة عن أهلهم يذوقون فيها آلام الغربة، ويذوق أهلهم آلام الحرمان.

قلت: فما نفعل؟

قال: ألم أقل لك: ينبغي التفكير في العمال قبل التفكير في العمل، فلا عمل بلا عمال .. ألم يكن النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو سائر لما أمره الله به من الدفاع عن المستضعفين يصحب زوجاته؟

قلت: أجل، ولكن .. أنت تطلب أشياء قد تضر برأس المال نفسه، فكيف بفوائده؟

قال: ألا تفكرون إلا في رأس المال والفوائد؟

قلت: هكذا يفكر أرباب الاقتصاد.

قال: وأين علماء النفس؟

قلت: في عياداتهم ينتظرون وفود المرضى.

قال: لماذا لا يطالبون بحق العمال في السكن النفسي؟

قلت: لو طالبوا بذلك لأغلقوا عياداتهم .. ألم أقل لك يا معلم إن كل شيء أصبح تجارة في عصرنا؟

قال: فلنضرب صفحا عن هذا .. أنتم لم تكتفوا بإبعاد الأب عن أولاده حتى ألحقتم به الأم.

قلت: نعم، وعجلة الاقتصاد المتطور هي التي استدعت ذلك، ثم إن الشريعة لا تنفي ذلك، فقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم -:( إن النساء شقائق الرجال )[61]

قال: نعم هذا حديث صحيح الثبوت والمعنى، فالمرأة شقيقة الرجل في الأصل والخلقة، وشقيقته في أصل التكليف، وشقيقته في جزاء الآخرة .. ولكن ما علاقة هذا الحديث بما نحن فيه؟

قلت: بما أن الرجل يحق له العمل، ويجب عليه العمل، فيحق للمرأة ويجب عليها.

قال: ما هذا القياس البديع؟ لكأني بك تقيس الأذن على العين.

قلت: كيف؟

قال: الأذن والعين كلاهما شقيقان، فكلاهما من حواس الإنسان التي يطلع بها على العالم الخارجي، وكلاهما يؤثر في علاقة الإنسان بمحيطه.

قلت: أجل، ولكن العين تبصر، والأذن تسمع.

قال: فكذلك المرأة والرجل، لكل منهما طاقته ووظيفته الخاصة به، فخروج أحدهما عن وظيفته كطلب الأذن أن تبصر، وطلب العين أن تسمع.

قلت: أنا أترك هذا القياس، فما رأيت في القياس خيرا قط، ولكني ألجأ إلى النص الذي لا كلام معه.

قال: ومن يتجرأ على معارضة الله أو معارضة رسوله؟!

 قلت: فقد قال تعالى:) وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ تَذُودَانِ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ( (القصص:23)، فقد أخبر تعالى عن ممارسة هاتين المرأتين لمهنة الرعي.

قال: ألم تقرأ ما تعللتا به؟

قلت: بلى، فقد ذكرا أن أباهما شيخ كبير.

قال: وهو اعتذار عما دعاهما إلي الخروج وسقي أغنامهما، دون وليهما الذي يتولى ذلك عادة إذ كان عاجزا عن ذلك .. ثم ما ترى في ذكر القرآن الكريم، هل ذكره كنموذ ج يحتذى، أو ذكره كموقف من مواقف الاضطرار؟

قلت: لم أفهم.

قال: هل أثنى الله تعالى على هذا المجتمع الذي وجدت فيه المرأتان؟

قلت: لا أظن ذلك، فهذا مجتمع يظهر عليه الوقاحة وسوء الأدب، بدليل قوله تعالى على لسانهما:) لا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ( (القصص:23)

قال: وهو مجتمع لا ينحني إلا للقوي، ولهذا لما جاء موسى u سقى لهما بمجرد حضوره مع كونه غريبا.

قلت: أجل، ذلك صحيح.

قال: فلماذا تجعلون هذا المجتمع الغارق في هذه الوضاعة نموذجا تحتذون به، ألم تطالبوا بالاقتداء بالمجتمعات الكاملة الصحيحة؟

قلت: بلى، ولكن قد ورد في النصوص ما يدل على عمل المرأة في هذه المجتمعات، ألم يقل الله تعالى:) وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلادَكُمْ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِذَا سَلَّمْتُمْ مَا آتَيْتُمْ بِالْمَعْرُوفِ ( (البقرة: من الآية233)، ففي الآية دليل على جواز استئجار المرأة للرضاعة، وأنه يجب على ولى الطفل أن يقدم لها أجرها.

قال: لا إشكال في هذا النص، ولا دليل فيه على ما ذكرت.

قلت: كيف؟

قال: هل رأيت رجلا يرضع صبيا؟

ضحكت، وقلت: في أي كوكب هذا؟ أو في أي فيلم خيالي شاهدته؟ لكأني بك تطلب من العين أن تسمع، ومن الأذن أن ترى.

قال: فهذا إذن من وظائف المرأة التي لا يطيقها الرجل، والتي لا يصلح لها إلا المرأة.

قلت: أجل، هذا صحيح، واصبر علي، فقد ورد في النصوص غير هذا.

قال: هات، وسمعا وطاعة لربي.

قلت: لقد ورد عن السلف الصالح y ما يؤكد صحة عمل المرأة، فعن أسماء بنت أبي بكر ـ رضي الله عنها ـ قالت: تزوجني الزبير وماله في الأرض من مال ولا مملوك ولا شيء غير ناضح[62]وفرسه، فكنت أعلف فرسه وأستقي الماء وأخرز غربه[63]وأعجن، ولم أكن أحسن الخبز وكان يخبز جارات لي من الأنصار وكن نسوة صدق، وكنت أنقل النوى من أرض الزبير التي أقطعه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على رأسي، وهي منى على ثلثي فرسخ[64]، فجئت يوما والنوى علي فلقيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ومعه نفر من الأنصار فدعاني ثم قال:( إخ إخ[65] ) ليحملني خلفه فاستحييت أن أسير مع الرجال، وذكرت الزبير وغيرته وكان أغير الناس فعرف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أني قد استحيت، فمضي فجئت الزبير فقلت: لقيني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وعلى رأسي النوى ومعه نفر من أصحابه، فأناخ لأركبه، فأستحيت منه وعرفت غيرتك، فقال: والله لحملك النوى أشد على من ركوبك معه،قالت: حتي أرسل إلي أبو بكر بعد ذلك بخادم تكفيني سياسة الفرس فكأنما أعتقني.

وعن جابر بن عبد القال: طُلقت خالتي فأرادت أن تجذ نخلها فزجرها رجل أن تخرج فأتت النبي - صلى الله عليه وسلم -، فقال:( بلى فجذي نخلك، فإنك عسى أن تصدقي أو تفعلى معروفا )

وعن رائطة امرأة عبد الله بن مسعود وأم ولده، وكانت امراة صناع اليد، وكانت تنفق عليه وعلى ولده من صنعتها، قالت: فقلت لعبد الله بن مسعود:( لقد شغلتني أنت وولدك عن الصدقة فما استطيع أن أتصدق معكم بشيء )، فقال لها عبد الله:( والله ما أحب - إن لم يكن في ذلك أجر - أن تفعلي )، فأتت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقالت:( يا رسول الله، إني امرأة ذات صنعة أبيع منها وليس لي ولا لزوجي نفقة غيرها، ولقد شغلونى عن الصدقة فما أستطيع أن أتصدق بشيء فهل لي من أجر فيما أنفقت؟ فقال لها رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:( أنفقي عليهم، فإن لك في ذلك أجر ما أنفقت عليهم )

فهذه النصوص جميعا تدل على عمل المرأة، بل عمل المرأة على زوجها، فكيف تنكر هذا؟

قال: ومن قال لك: إني أنكر هذا!؟ .. بل إن هناك نصوصا أخرى، وأدلة أخرى غير ما ذكرت، ولكني أتكلم عن حق العمال الاجتماعي، فهل تركت أسماء ـ رضي الله عنها ـابنها عبد الله للخوادم، أو حملته لدور الحضانة؟

قلت: لا .. بل ربته وعلمته وظلت توجهه إلى آخر حياته.

قال: ولو أنكم فعلتم ذلك ما أنكر عليكم أحد، ولكنكم تسلبون المرأة أولادها، وهي أغلى ما تملك، وهي أغلى ما يملكون، لتزجوا بها فيما تتصورونه من حضارة.

قلت: لكأني بك تريد حبس المرأة في بيتها.

قال: ومن قال بأن المرأة في بيتها محبوسة، أليست تؤدي أعظم وظيفة، وظيفة بناء الإنسان؟

قلت: صدقت، فإن العناء الذي تعانيه في هذه الوظيفة أعظم من العناء الذي تعانيه خارجها.

قال: والمنتوج الذي تنتجه فيها أعظم من كل منتوج.

قلت: أجل، فقد قرأت في بعض الإحصائيات أن ساعات عمل المرأة في فرنسا في الستينيات بلغت 45 مليار ساعة في السنة، في حين لم تتعد عدد ساعات العمل للقوي العاملة من الجنسين خارج المنزل 44 مليار ساعة.

وتشير إحدى الدراسات التي أجريت في أمريكا في السبعينيات إلى أن ما يحققه العمل المنزلي للمرأة من عائد يمثل حوالي ثلث الناتج القومي إذا قيم بأسعار السوق، وأن متوسط قيمة الإنتاج المنزلي الذي تقوم به الزوجة الأمريكية يمثل حوالي 60% من الدخل القومي للأسرة (الزوج والزوجة معا) من عملهما خارج المنزل، وأن الخسارة في قيمة الإنتاج المنزلي الناجمة عن خروج المرأة للعمل تساوي تقريبا الزيادة النقدية التي تحققها المرأة نتيجة لالتحاقها بالقوي العاملة بالقطاع المنظم.

وفي دراسة نشرتها إحدى أكبر شركات التأمين البريطانية على مليون امرأة وقع الاختيار على أم بيت متفرغة فجاءت النتائج المثيرة:إن المرأة المتفرغة للبيت تعمل 19 ساعة في أعمال البيت وهي المربية والممرضة والمسؤول الأول عن إدارة الشؤون المالية للبيت[66] ..

قال: وسمعت بعضكم يستشهد بحكمة تقول:( الأم التي تهز سرير الطفل بيد، تهز العالم باليد الأخرى )

ضحكت، وقلت: أي حكمة هذه يا معلم، إن هذا كلام نابليون بونابرت.

قال: وما يهمني من هو، المهم أن ما قاله حكمة، وقد قلتم:( خذوا الحكمة من أفواه المجانين )

قلت: نعم، كل هذا صحيح، ولكن مع ذلك، فإني لا أتصور المراكز الكثيرة، وقد خلت من النساء .. الحضارة يا معلم تستدعي هذا النوع من التضحية.

قال: أي حضارة هذه التي لا تكتفي بتدمير صحتكم والقضاء على راحتكم، بل تتعدى ذلك إلى القضاء على طبيعتكم الاجتماعية .. اسمح لي أن أقول: إن الحيوانات أحسن حالا منكم في هذا.

قلت: كيف؟

قال: هل رأيت أنثى حيوان تترك أولادها، أو تبعث بهم للمربيات.

قلت: كلا، بل أراها تحرص عليها أكثر من حرصها على نفسها.

قال: بل أكثر من حرصكم على حضارتكم.

قلت: ولكن ليس للحيوان حضارة.

قال: في تصوركم.

قلت: وفي الواقع، لم نر للحيوانات ناطحات سحاب، ولا ..

قال: دعنا من هذا، وقل لي: ما هي المجالات التي تقحمون فيها المرأة؟

قلت: كثيرة .. التطبيب والتعليم ..

قال: أظن هاتان الوظيفتان كافيتان .. ولعله لا بأس بهما في الأحوال العادية على أن تراعى خصوصيات المرأة.

قلت: لا .. هناك وظائف أخرى كثيرة: الكنس والمعامل وقيادة السيارات والإدارة والسينما وعروض الأزياء والبيع في المتاجر ..

قال: اسمح لي أن أقول لك بأنكم تحتقرون المرأة وتهينونها وتعبثون بكرامتها، لتبنوا على أكتافها ما تشتهيه أنفسكم، ويشتهيه لكم شياطينكم.

قلت: فبم تنصحنا؟

قال: اتركو العين عينا، والأذن أذنا، فإنكم إن حولتم أحدهما عن مكانه أو عن وظيفته شوهتم خلقكم، وأفسدتم مجتمعكم.

حقوق المجتمع

اقتربت من الباب الثالث من أبواب الأخلاق المتفرعة من أبواب التدريب، فرأيت صورا لخلق كثيرين كلهم يظهر التشبث بي طالبا مني الرحمة، حتى أني كدت أمد يدي إليهم لنجدتهم.

فسألت المعلم: ما هذا الباب العجيب؟ ومن هؤلاء الذين يتشبثون بي طالبين النجدة؟

قال: هذا المجتمع.

قلت: وما يطلب مني.

قال: حقوقه.

قلت: أنا إنسان بسيط، لا أكاد أملك من الدنيا إلا ما يسد رمقي ورمق أولادي، فكيف أغيثهم؟

قال: هؤلاء ليسوا شحاذين، وإنما هم يطلبون منكم الرحمة.

قلت: وهل الرحمة شيء غير الإحسان؟

قال: هناك رحمة الإحسان، وهناك رحمة عدم الإساءة.

قلت: فهل نحن في الواقع نسيئ لهؤلاء؟

قال: أجل تسيئون إليهم كثيرا.

قلت: كيف؟

قال: تسيئون إليهم بأربعة أنواع من الإساءات.

1 ـ الطبقية:

قلت: ما هي الإساءة الأولى؟

قال: تقسمونهم إلى طبقات مختلفة منها العليا ومنها الدنيا.

قلت: هذا صحيح، ولا أحسب مجتمعا من المجتمعات خلا من هذه النظرة.

قال: ولكن المجتمع المؤمن الذي يعلم وحدة خالقه لا ينظر هذه النظرة، ولا يتعامل مع الخلق بهذا الأسلوب، بل ينظر إلى أفراده كنظره إلى إخوانه لا يميز فقيرهم عن غنيهم، ولا قويهم عن ضعيفهم.

قلت: فنحن نسيء في واقعنا للطبقات الدنيا؟

قال: بل تسيئون لكل المجتمع بطبقاته الدنيا والعليا.

قلت: كيف؟ نحن لا نسيء للطبقات العليا ..

قال: بل إن إساءتكم لهم أعظم من إساءتكم للضعفاء.

قلت: كيف؟

قال: أنتم تغيرون أخلاقهم، وتبدلون طباعهم، قد يكون أحدهم محسنا، فتجرونه إلى الإساءة، وقد يكون مسيئا، فلا تصرفوه عن إساءته، وإنما تثبتوه عليها، وتطلبوا منه أن يزيد منها.

قلت: أشعر كأني فهمت .. ولكني لم أفهم.

قال: أنت تفهم .. ولكن لا تستطيع أن تعبر عن فهمك .. لأنك لا تستطيع أن تستحضر أمثلة لذلك .. أو تخاف أن تستحضر أمثلة لذلك.

قلت: أجل، فإن بعضها قد يكون من السياسة، وأنا استعذت بالله من السياسة، كما استعاذ منها بديع الزمان.

قال: نعم، في السياسة وغيرها .. أنتم تدللون الكبار، وتقمعون الصغار، ويكفي هذا لطبقيتكم.

قلت: سأضرب مثالا بسيطا لا علاقة له بالسياسة.

قال: الحج؟

قلت: أجل .. نحن نرسل أصحاب البطون الضخمة بالمجان ليؤدوا المناسك .. ونطلب من المهزولين الذين ظلوا طول عمرهم يجمعون المال درهما درهما أن يدفعوا عن السمان حقوق حجهم.

قال: أهؤلاء يحجون إلى بيت الله، أم يحجون إلى بيوت النيران؟

قلت: بل يحجون إلى بيوت الله.

قال: ولم ترسلونهم؟

قلت: ليرجعوا من ذنوبهم كيوم ولدتهم أمهاتهم، فإنا نخشى عليهم أن يصيبهم من عذاب الآخرة ما أخطأهم من عذاب الدنيا.

قال: فبشرهم بأنهم لن يرجعوا من ذنوبهم كما ولدتهم أمهاتهم، بل سيرجعون بأوزار تنوء بها ظهورهم، وحيات تمتلئ بها قبورهم.

2 ـ التطفيف:

قلت: فما الإساءة الثانية؟

قال: أنتم تطففون، مع أنكم تقرأون قوله تعالى:) وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ( (المطففين:1)

قلت: كيف هذا، وقد اخترع قومي موازين دقيقة، توضع الشعرة عليها فيهتز لسان الميزان مخبرا عن وزنها وثمنها، ولو شئت لأخبرك عن كيفة الدفع.

قال: ولكنه لا يتعامل مع كل الناس معاملة واحدة.

قلت: لا، بل هو جماد لا يفرق بين الناس.

قال: نعم، هو لا يفرق، ولكنكم تفرقون.

قلت: كيف؟

قال: إذا وضعت فيه رطلا كم من الثمن تدفع؟

قلت: سيطلب منك الميزان نفسه أن تسلمه ثمن رطل.

قال: ولو وضعت رطلين.

قلت: سيطلب ثمن رطلين.

قال: فلو طلب ثمن رطل.

قلت: يكون قد طفف، وحينذاك سنرسله إلى قطع الغيار القديمة ليطحن فيها، ويعاد تركيبه من جديد.

قال: فليتكم تعاقبون أنفسكم بهذا الأسلوب.

قلت: كيف، ولماذا؟

قال: لأنكم تطففون.

قلت: كيف؟

قال:أليس المطففين هم:) الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ( (المطففين:2 ـ 3)

قلت: بلى، فهذا هو تعريف القرآن الكريم للمطففين.

قال: وهو ما يطبقه مجتمكم.

قلت: كيف نطبقه؟

قال: من بذل منكم جهد رطل تعطونه الملايين وتعتذون إليه عن قلتها، ومن حمل منكم القناطير المقنطرة على ظهره، تسلمون إليه دراهم معدودات، ثم تسلبونه نصفها تأمينا وضرائب، ثم تضيفون إلى حمله قنطارا خدمة لوطنه وتضحية في سبيله .. وأنتم لا تدرون أن ذك القنطار يقصم ظهره كما قصمت الشعرة ظهر البعير.

قلت: كثير من كلامك صحيح، فالموظفون الكبار عندنا ينال أحدهم من الأجور ما يناله المئات من المستضعفين الذي ناء ظهرهم بالأحمال الثقال، ومع ذلك يكون تقاعدهم قبل تقاعد الصغار.

قال: حتى الموت تطففون فيه.

قلت: كيف ..

قال: إذا مات فيكم الضعيف واريتموه التراب لا يشهد جنازته إلا المستضعفون من أمثاله، فإذا مات السمين أقمتم المآتم، ونكستم الأعلام، وأغلقتم المدارس حزنا عليه.

قلت: هذا صحيح .. وهذه إساءة لا ننكرها؟

3 ـ التسميم:

قلت: فما الإساءة الثالثة؟

قال: التسميم.

قلت: أنحن نسمم المجتمع؟

قال: نعم، بأحدث أنواع السموم وأخطر أنواع السموم.

قلت: كيف، ونحن الذين اخترعنا لأدوية، وبنينا المستشفيات.

قال: لولا سمومكم لأغلقتم أكثر مستشفياتكم.

قلت: ونرمي أدويتنا في البحر بعدها.

قال: ألم تكتفوا بقتل الحياة فيكم حتى تقتلوا أمم البحار.

قلت: فما السموم التي نقتل بها مجتمعنا؟

قال: أكثر مخترعاتكم التي تملؤون بها البطون والآذان والعيون سموم.

قلت: كيف ..  اشرح لي فإني لا أكاد أستوعب ما تقول.

قال: سأكتفي بسم واحد ابتدعتموه إبداعا .. حاولت أن أجد سرا له، فلم أستطع.

قلت: ما هو؟

قال: هذه اللفافات المحروقة التي تضعونها في أفواهكم لتستنشقوا دخانها.

ضحكت، وقلت: ذاك الدخان، إنه من أنواع السموم التي يحرص قومي على استعمالها مع علمهم بسميتها.

قال: وكيف يسمح بها؟

قلت: لأن الشركات الكبرى التي تنتجه لها من السطوة بحيث لا تستطيع القوانين قهرها ولا السيطرة عليها، ولكنهم مع ذلك استطاعوا أن يفرضوا عليهم أن يسجلوا في غلافها عبارة ( التدخين مضر بالصحة )

قال: فهل أثرت هذه العبارة؟

قلت: لا .. لم تؤثر، إنها تذر الرماد في العيون من غير أن يكون لها أي تأثير في الواقع.

قال: بل هي تحد للمجتمع، تقول له:( مع أن هذا السم مضر بالصحة إلا أننا نفرض عليك استعماله أبيت أو كرهت، بل نوقعك في الإدمان عليه، لتصير عبدا لنا لا عبدا لله )

قلت: وما علاقة هذا بالعبودية لله؟

قال: ألم يقل - صلى الله عليه وسلم -:( تعس عبد الدينار وعبد الدرهم وعبد الخميصة إن أعطي رضي، وإن لم يعط تعس وانتكس، وإذا شيك فلا انتقش )[67]

قلت: أتعلم[68] يا معلم أن منظمة الصحة العالمية وجميع الهيئات الطبية في العالم قررت أن التدخين هو أكبر خطر على الصحة يواجه البشرية اليوم.

فالتدخين يقتل أربعة ملايين شخص كل العام، والعدد في ازدياد بسبب الزيادة السكانية وخاصة في العالم الثالث. وتقدر منظمة الصحة العالمية أن يصل العدد إلى 10 ملايين شخص يتوفون سنويا بحلول عام 2020 م.

قال: ولماذا يصبون جام غضبهم على القنابل النووية إذن، وعلى التسلح الننوي في العالم.

قلت: بالمقارنة، فإن القنبلتين الذريتين اللتين ألقيتا على هيروشيما وناجازاكي في نهاية الحرب العالمية الثانية سنة 1945 قتلت مباشرة 140 ألفا، ثم مات بعد ذلك عدد آخر بسبب الأشعة القاتلة، ويقدر العدد الإجمالي لضحايا القنبلتين الذريتين بربع مليون شخص.

فكيف يمكن أن نقارن ضحايا التدخين، وهم أربعة ملايين شخص يتوفون سنويا بضحايا القنابل الذرية؟

قال: وهل تقوم وكالات الطاقة بتفتيش معامل التبغ لتشمعها بالشمع الأحمر؟

قلت: لا .. ولا علاقة لها بهذا، أتعلم أن هذه الشركات الضخمة، وأغلبها أمريكية تصنع ثلاث سجائر لكل إنسان على وجه الأرض يوميا، أي 18 ألف مليون سيجارة، وهي تكفي لإبادة الجنس البشري بأكمله لو أخذ ما فيها من النيكوتين بطريقة الحقن، بحيث لا تبقي على إنسان على وجه الأرض.

قال: فلماذا لا تطلبون من هذه الأمريكا أن تكف شرها على الناس[69]؟

قلت: اسكت يا معلم وإلا صودرنا وصودر ما نقوله.

قال: لماذا؟

قلت: فلنغير الموضوع .. هل هناك سموم أخرى؟

قال: كثيرة .. هذا الطعام الذي تعلبونه، وتلك الحلويات التي تتفنون في صنعها، وذلك اللهو الآثم الذي تنشرونه .. وتلك المسابقات العابثة التي تجرونها .. وتلك .. وتلك .. اسمح لي أن أقول لك: إنكم تعيشون في مستنقعات من السموم.

قلت: التجارة تتطلب هذا.

قال: لا .. التجارة المباركة لا تنظر إلى الأرباح فقط، بل تنظر إلى المصلحة فتحققها , وتنظر إلى المفسدة فتدرأها، وتجعل جزاءها هو جلبها للمصلحة ودرؤها اللمفسدة.

قلت: فسر ذلك لي.

قال: سنفسره عند أبواب الجهد.

4 ـ الإفساد:

قلت: فما الإساءة الرابعة؟

قال: الإفساد.

قلت: فما الفرق بينها وبين الإساءة الثالثة؟

قال: التسميم يقتل الجسد، والإفساد يقتل الروح.

قلت: فنحن إذن متفننون في قتل الجسد والروح.

قال: بل محترفون لذلك.

قلت: فكيف نقتل الروح؟

قال: تقتلون القيم الرفيعة التي أجمعت عليها الخلائق بما تنشرون من أنواع الشذوذ، وأنواع الانحراف، ثم تسمون كل ذلك حضارة ومثلا وحرية .. أنتم تشربون الخمور وتسمونها بغير اسمها.

قلت: ولكن ذلك باختيار الأفراد، لا بالقهر.

قال: مثلما تفعلون مع التدخين، أنتم تكتبون عنه بأنه مضر للصحة، ثم تنشرونه وتشهرونه أكثر مما تشهرون الأدوية.

قلت: لقد ذكرتني يا معلم بأن عدد الساعات التي يقضيها الطلاب عندنا أمام التلفزيون تفوق عدد ساعات الدراسة والبحث، فقد ورد في بعض الإحصائيات أن بعض الطلاب عندما يتخرج من المرحلة الثانوية يكون قد أمضى أمام جهاز التلفزيون قرابة (15) ألف ساعة، بينما لا يكون أمضى في حجرات الدراسة أكثر من (10800) ساعة على أقصى تقدير، أي في حالة كونه مواظبا على الدراسة محدود الغياب.

ومعدل حضور بعض الطلاب في الجامعة (600) ساعة سنويا، بينما متوسط جلوسه عند التلفزيون (1000) ساعة سنويا.

هذا بالإضافة إلى أن الحالة النفسية للمتلقي، فإنه يكون في حالة نفسية جيدة أما التلفزيون راغبا في المشاهدة مستعدا للتلقي، متلذذا بما يرى، بخلاف الطالب في المدرسة[70]، ومهما كانت حالة الطالب من الارتياح لأستاذ من الأساتذة، أو مادة من المواد، فإنها لا تصل إلى حالة مشاهد يرى فيلما غريزيا، أو حلقة من حلقات المصارعة، أو مبارة من مباريات كرة القدم.

 قال: فهل تنشرون القيم الصالحة في هذا التلفزيون؟

قلت: لو قارنا عدد القنوات الخبيثة مع القنوات العادية لوجدنا النسبة تكاد تؤول إلى الصفر.

قال: ولو قارنتم القنوات العادية مع الطيبة التي لا تفرز إلا طيبا.

قلت: لا تكاد النسبة تصح.

قال: والناس إلى أين يميلون؟

قلت: بحسب الغرائز .

قال: فكيف يسلمون، وفي بيوتهم ما يغذي شياطين غرائزهم .. ثم تقول لي: نحن لا نعيش في مستنقعات السموم .. أنتم بأرواحكم وأجسادكم تعيشون في مستنقعات السموم.

قلت: رويدك يا معلم، فإن إلقاء الحقيقة المرة يحتاج إلى مسوغات لتقبلها.

قال: والمسوغات من السموم التي تفننتم فيها، فكذبتم على أنفسكم، وكذبتم على أجسادكم .. ألستم تضعون نكهات خاصة على سجائر التبغ التي تتناولونها؟

قلت: وبحسبها تكون الجودة.

قال: أرأيت ماذا تفعل المسوغات .. واجهوا أنفسكم بالحقيقة .. واصرخوا فيها .. فما أفلح من لم يصرخ.

حقوق الكون

اقتربت من الباب الرابع من أبواب الأخلاق المتفرعة من أبواب التدريب، والمتفرعة من أبواب السعي، فرأيت صورا شتى تختلط فيها الذرة بالمجرة، والخلية الحية بالأكوام من الجمادات، وكلها ترفع رايات بيضا، وتنطق بلا حرف ولا صوت تطلب السلام.

سألت المرشد عن هذه اللوحة الرمزية، فقال: هذا باب حقوق الأكوان، وهي تطلب جميعا منكم الرحمة.

قلت للمعلم: ما الرحمة التي تطلبها الأكوان؟

قال: هي الرحمة التي يطلبها الإنسان.

قلت: وما الرحمة التي يطلبها الإنسان؟

قال: الفطرة.

قلت: لقد خلق الله الإنسان على الفطرة.

قال: وكذلك خلق الأكوان على الفطرة.

قلت: أفهم خلق الإنسان على الفطرة، ولا أفهم خلق الأكوان على الفطرة.

قال: أليس المولود ( يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه)[71]

قلت: بلى، قد فهمت هذا في المولود، فهو في أصله فطرته قلبه كابتسامته العذبة، وروحه لطيفة كلطف محياه.

قال: فكذلك الكون ولد بريئا طاهرا يبتسم برياحه كما يبتسم بنسيمه، وهو يخاف على فطرته أن تنجس بقاذوراتكم، ألم تخف الملائكة ـ عليهم الصلاة والسلام ـ على الأرض من شركم معشر بني الإنسان؟

قلت: بلى، لقد قالت:) أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ ( (البقرة: من الآية30)

قال: وهل حصل ما خافت منه الملائكة؟

قلت: بلى، فقد قال أخبرتعالى عن كثير من المفسدين في الأرض، ومن جملتهم الأخنس بن شريق الثقفي الذي نزل فيه قوله تعالى:) وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسَادَ( (البقرة:205)

قال: أهذه آية الأخنس؟

قلت: نعم .. هكذا قال المفسرون، وعلى هذا نصوا.

قال: وهل الأخنس واحد؟

قلت: نعم .. وهو الذي أبوه شريق، وينتمي إلى ثقيف.

قال: ما أخطر ما تفسرون به القرآن الكريم .. إن ابن شريق لا يستحق نظرة واحدة من محمد - صلى الله عليه وسلم -، فكيف يستحق أن ينزل قرآن ينشر ذكره إلى قيام الساعة .. إن هذه الآية تخاطبكم، فلا تنشغلوا بالأخنس وبأبي جهل.

قلت: فما تقول لنا؟

قال: تقول لكم لا تغتروا بالمفسدين الذي يزعمون أنهم يصلحون، ألم يقل الله في الاية السابقة لهذه الآية:) وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ( (البقرة:204)

قلت: بلى .. وهكذا كان الأخنس.

قال: وهكذا هو حال كل أخنس يفسد ويزعم أنه يصلح .. يضر ويزعم أنه مفسد .. يسلبك ما في جيبك، ثم يطلب منك أن تدفع له ثمن تعبه في مد يده إلى جيبه.

قلت: لقد ذكرتني بما روي في بعض الكتب:( إن عباداً ألسنتهم أحلى من العسل، وقلوبهم أمر من الصبر، لبسوا للناس مسوك الضأن من اللين، يجترون الدنيا بالدين، قال اللّه تعالى: عليّ تجترئون وبي تغترون؟ وعزتي لأبعثن عليهم فتنة تترك الحليم منهم حيران )

قال: لقد ذكر القرآن الكريم الكثير من المفسدين الذين يزعمون أنهم مصلحون، فقال تعالى:) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ( (البقرة:11)

قلت: وقد صدق التاريخ ما قال الحق تعالى، فليس هناك مفسد إلا وهو يزعم الإصلاح، فأكبر الجرائم الإنسانية تغطى، بل تمجد، بل يعطى أصحابها الشهادات التقديريه لكونهم من المصلحين.

قال: ذلك في حسابكم، أما في حساب الحق، فإن المفسد هالك من أول خطوة يبدأ بها فساده، ألم تسمع قوله تعالى:) ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ( (الروم:41)

قلت: بلى.

قال: فقد أخبر تعالى أنه سيذيق المفسدين ثمار فسادهم.

قلت: ولكن ثمار فسادهم طالت الأكوان من الأحياء والجمادات.

قال: ليس في أكوان الله جمادات .. كلهم أحياء .. وكلهم يستغيثون بالله من فسادكم .. وكلهم يرسل آلاف اللعنات على كل من غير ابتسامة الكون .. أو لعب ببراءته.

قلت: لعلك تقصد آثار الصناعة على جمال الأرض وطهارتها وتناسقها.

قال: وهل هناك خطر أعظم من هذا .. لم تزكم الأرض منذ خلقها الله، فلما جئتم وجاءت حضارتكم كان أول ما فعلته أن أحرقت رئة الأرض فتنفست سلا .. ولعبت بأمواج البحر البريئة فملأتها نفطا .. ولم يسلم جو الفضاء من فسادكم فخرقتم ما رقعه الله، وقطعتم ما وصله.

قلت: صدقت، فقد قرأت في هذا من الأخبار ما ينقضي دونه العجب.

قال: فاذكره.

قلت: لقد قرأت أنه خلال نصف قرن مضى فقط خسر العالم خُمس  التربة الصالحة للزراعة، وخُمس غابات المطر، وانقرضت الآلاف من الأجناس النباتية  والحيوانية.

وقرأت عن انتشار مواد كيمائية خطرة تستخدم في أكثر دول العالم، وآثارها سيئة، وهي تصل إلى أكثر من 80 ألف مادة.

وقرأت عن ارتفاع حرارة  الأرض نتيجة أبخرة وغازات وعوادم السيارات وغيرها، والتي أدت إلى تغيرات مناخية زادت من خطر الأعاصير المدمرة أو الجفاف أو الفياضانات .

قال: فأنتم تدمرون تخربون بيوتكم بأيديكم.

قلت: ما بالك يا معلم .. أنت تتكلم كل حين عن تلوث البيئة ..

قال: هل ترضى أن ترمى في الكعبة النجاسات، أو تدنس المساجد بالقاذورات؟

قلت: لقد قف شعري مما قلت .. والله لو حصل ذلك لملأنا عليهم الدنيا لهيبا .. كل شيء نقبله ما عدا تدنيس مقدساتنا.

قال: الحق أقول لك: من لم يشعر بالغيرة على أكوان الله كما يشعر بالغيرة على كعبة الله، ومساجد الله، فهو لا يعرف الله، ولا يقدر خلق الله.

قلت: كيف .. أنت تتكلم كلاما خطيرا قد نرجم بسببه .. أنت تجعل للجبال والحجارة والرياح والأمطار من القداسة ما للكعبة والمساجد.

قال: أنا لا أفعل ذلك، بل الله هو الذي يأمرنا بذلك.

قلت: بم يأمرنا؟

قال: باحترام مخلوقاته .. ألم تقرأ حديث القرآن الكريم عن مواقفها الخاشعة .. ألم تسمع قوله تعالى:)  إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْأِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً( (الأحزاب:72)، فلولا ما في الكون من طاقة الإدراك والاختيار ما عرض عليه هذا العرض الخطير، ولولاها ما أجاب هذه الإجابة الواعية.

والقرآن الكريم يخبر عن وعي الحجارة وعيا يجعلها تهبط من خشية الله، قال تعالى:) وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّه( (البقرة: من الآية74)

والجبل يخشع لنزول القرآن، قال تعالى:) لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعاً مُتَصَدِّعاً مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ( (الحشر:21)

بل يندك لتجلي الله، قال تعالى:) فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكّاً ( (لأعراف: من الآية143)

بل ينهد لسماع شرك المشركين، قال تعالى:) تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدّاً أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَداً( (مريم:90 ـ91)

قلت: لقد ذكرتني بقول بعض الصالحين في هذه الآية، قال:( إن الله تعالى لما خلق الأرض وخلق ما فيها من الشجر لم تك في الأرض شجرة يأتيها بنو آدم إلا أصابوا منها منفعة، وكان لهم منها منفعة فلم تزل الأرض والشجر كذلك حتى تكلم فجرة بني آدم تلك الكلمة العظيمة وهي قولهم:) اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَداً( (مريم:88)، فلما قالوها اقشعرت الأرض وشاك الشجر )

وقد ورد في الآثار ما يدل على سرور الأشياء، فقد روي أن الجبل يفخر إن مر عليه ذاكر لله U، فعن ابن مسعود t قال:( إن الجبل ليقول للجبل: هل مرَّ بك اليوم ذاكر لله؟ فإن قال: نعم، سُرَّ به) ثم قرأ عبد الله قوله تعالى:)  وَقَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَداً سُبْحَانَهُ بَلْ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ( (البقرة:116) قال:( أفتراهن يسمعن الزور ولايسمعن الخير )[72]

وعن أنس بن مالك t قال:( ما من صباح ولا رواح إلا تنادي بقاع الأرض بعضها بعضا، يا جاره هل مر بك اليوم عبد فصلى لله أو ذكر الله عليك، فمن قائلة لا، ومن قائلة نعم، فإذا قالت نعم رأت لها بذلك فضلا عليها )

قال: فأنت ترى أن الكون حلقة ذكر واسعة .. أفليس لهؤلاء الذاكرين الخاشعين من الحرمة ما للكعبة والمساجد؟

قلت: بلى .. بل كان - صلى الله عليه وسلم - يحمل احتراما عظيما للكائنات، فعندما حن الجذع لفقد رسول الله r، ضمه r حتى سكن، فعن أبي سعيد  tقال: كان رسول الله  - صلى الله عليه وسلم -يخطب إلى لزق جذع فأتاه رجل رومي، فقال: أصنع لك منبرا تخطب عليه، فصنع له منبرا هذا الذي ترون، قال فلما قام عليه النبي  - صلى الله عليه وسلم - يخطب حن الجذع حنين الناقة إلى ولدها، فنزل إليه رسول الله  - صلى الله عليه وسلم -فضمه إليه فسكن فأمر به أن يحفر له ويدفن )[73]

وقد كان - صلى الله عليه وسلم - يبادل هذه الأشياء مشاعرها، فكان يقول عن أحد:( هذا جبل يحبنا ونحبه )[74]

وهو يخاطبه كما يخاطب الأحياء، فعن أنس بن مالك t قال:( صعد النبي - صلى الله عليه وسلم - أحدا، ومعه أبو بكر وعمر وعثمان، فرجف بهم فضربه برجله، وقال:( اثبت  أحد، فما عليك إلا نبي أو   صديق  أو شهيدان )[75]

وذكر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - للنبوة والصديقية والشهادة في خطابه للجبل يدل على إدراك الجبل لمعانيها وسموها، وإلا لما خاطبه بذلك.

قال: أتدري ما أعظم حق يطلبه منكم الكون؟

قلت: ما هو .. لقد شوقتني.

قال: أن تعترفوا به.

ضحكت وقلت: وكيف نعترف به .. أنحن نستعمره؟

قال: أجل أنتم تستعمرونه في تصوراتكم، فتعتقدونه كونا هملا لا راعي له ولا حافظ، فتصارعونه وتوهمون أنفسكم أنكم تغلبونه.

قلت: فكيف نعترف به؟

قال: أن تعتقدوا أنه كون لله، لا كون لكم، فتتعاملون معه معاملة الأخ لأخيه، وتتناولوا ما فيه من فضل باسم الله، لا باسمكم وباسم جهودكم.

قلت: ففسر لي ذلك، وأدبني به.

قال: علم ذلك في درس آخر من دروس السلام، عندما نشرب من عيون الحقائق مياها عذبة من أكواب ( أكوان الله ) 

 

 



([1] ) الشركات  والمصانع في اليابان لا تسرح الموظفين نتيجة  تقليص  الإنتاج  وإغلاق بعض خطوطه ولكنها تعيد تأهيلهم في فروع إنتاج جديدة،وهذا نتيجة حكمة تقول:( إعطاء الفرد سمكة واحدة يوفر له الغذاء مرة واحدة. أما تعليم  الإنسان كيف يصطاد  السمك فإنه يؤمن له غذاءً متجدداً ودائماَ ) .

وقد عينت حكومة متران السابقة في فرنسا وزيراً  للوقت الضائع يعود على الفرد و البلاد  بالنفع والفائدة. انظر: مدخل إلى التنمية المتكاملة لبكار ص 360- 366 .

([2] )  مسلم.

([3] )  البخاري ومسلم.

([4] )  هو محمد بن أحمد الخوارزمي ( 362 - 440 هـ)

([5] )  قُروح تخرج فى الجنبين، وهو داء معروف، وسُمِّى  نملةً، لأن صاحِبَه يُحس فى مكانه كأنَّ نملة تَدِبُّ عليه وَتعضُّه.

([6] )  سنن أبى داود.

([7] )  البيهقي في الشعب عن عائشة، وفي وراية:« إن الله تعالى يحب من العامل إذا عمل أن يحسن » البيهقي عن كليب.

([8] )  أحمد ومسلم وأبو داود عن عائشة.

([9] )  ابن جرير.

([10] )  أحمد وأبو داود عن المقدام بن معد يكرب.

([11] )  النجوم للجميع ص 74.

([12] )  سرُ خلق الانسان ص 34.

([13] )  ابن عساكر.

([14] )  البخاري ومسلم.

([15] )   رواه الترمذي وابن ماجه وابن حبان في صحيحه.

([16] )  انظر التفاصيل المرتبطة بهذا في رسالة « أكوان الله »

([17]) انظر هذه النصوص في: السيرة ذاتية: 535.

 

([18] )  البخاري .

([19] )  البخاري ومسلم.

([20] )  يريد تحسين الصوت.

([21] )  البخاري ومسلم.

([22] )  ابن عساكر.

([23] )  النسائي

([24] )  الطبراني.

([25] )  رسالة « بحار الحب »

([26] )  أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجة والحاكم عن العرباض بن سارية.

([27] )  المعلومات العليمة منقولة من: الاسلام و الحقائق العلمية، لمحمود القاسم،والإعجاز العلمي في القرآن الكريم أ. د حسن أبو العينين، بالإضافة إلى ما كتبه د. زغلول النجار في هذا المجال.

([28] )  أحمد وأبو داود.

([29] )  الترمذي وابن ماجه.

([30] )  مسلم.

([31] )  أثبت العلم الحديث أن الوحدة الأساسية لبناء الكون، وهي الذرة في حركة مستمرة من داخلها.وإنها مؤلفة من الكترونات - أو كهارب - تدور في فلك حول النواة أو النويات وهي قلب الذرة.وأن هذه الحركة مستمرة ومطردة في كل ذرة .. وأن كل ذرة شمس تدور حولها كواكب كشمسنا هذه وكواكبها التي ما تني تدور حولها باستمرار.

([32] )  البخاري ومسلم عن أبي هريرة.

([33] )  أحمد.

([34] )  وردت هذه القصة اللطيفة في كتاب "كيف نجح هؤلاء" للمحامي محمد مسعود العجمي.

([35] )  الترمذي.

([36] )  البخاري.

([37] ) ومما يزيد في تفاؤلنا أن المقارنة بين الفترات الزمنية التي كان يستغرقها الوصول من الكشف العلمي النظري إلى التطبيق في ميدان الإنتاج منذ عصر الثورة الصناعية حتى اليوم تدل على مدى التسارع الذي يصل إليه هذا التطبيق العملي.

فقد احتاج الإنسان إلى 112 سنة ( 1727 - 1839 م ) لتطبيق المبدأ النظري الذي يبنى عليه التصوير الفوتوغرافي.

واحتاج إلى 56 سنة ( 1820 - 1876 م ) لكي يتوصل من النظريات العلمية الخالصة إلى اختراع التليفون.

وإلى 35 سنة ( 1867 - 1902 م ) لظهور الاتصال اللاسلكي.

وإلى 15 سنة ( 1925 - 1940 م ) للرادار.

و12 سنة ( 1922 - 1945 م ) للتلفزيون.

و6 سنوات ( 1939 - 1945 م ) للقنبلة الذرية.

و5 سنوات ( 1948 - 1953 م ) للترانزستور.

و3 سنوات ( 1959 - 1961 م ) لإنتاج الدوائر المتكاملة .

وقد لا نحتاج زمنا طويلا للترقي إذا ما توفرت الهمم.

([38])  مدارج السالكين: 2/309.

([39])  أبو نعيم في الحلية عن أنس، ورواه الطبراني بسند فيه ضعيف عن أنس مرفوعا، وأورده العجلوني في كشف الخفاء (2/108) وقال: في سنده يزيد الرقاشي ضعيف.

([40] )  رواه الترمذي كتاب البر والصلة باب ما جاء في السخاء رقم (1961) وقال: غريب.

([41] )  أحمد وابن حبان والطبراني في الكبير والبيهقي عن أبي ثعلبة الخشني.

([42] )  البزار عن أنس.

([43] )  الترمذي عن أبي الدرداء.

([44])  البـزار والطبراني في الأوسط، وفي رواية الطبراني: فسمع تسبيحهن من في الحلقة » وفيه: ثم دفعهن إلينا فلم يسبحن مع أحد منا »

([45] )  النسائي.

(1)  وقد ذكر القرآن الكريم ذلك، فقال على لسان الهدهد:)إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ ( (النمل:23)

(1 )  هذا هو الصحيح، وهو ما قاله مجاهد وسعيد بن جبير، وقد اختاره ابن جرير وابن كثير، لا من قول ملكة سبأ، بدليل أنها إنما أظهرت الإسلام بعد دخولها إلى الصرح، كما قال:( قِيلَ لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَ فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وَكَشَفَتْ عَنْ سَاقَيْهَا قَالَ إِنَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ مِنْ قَوَارِيرَ قَالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ( (النمل:44)

([48] )  أبو داود عن عائشة.

([49] )  البخاري ومسلم عن أبي هريرة.

([50] )  ابن حبان عن عمران بن حصين.

([51] )  الحاكم والبيهقي عن جابر.

([52] )  ابن ماجة عن جابر.

([53] )  ابن حبان.

([54] )  يقال للرجل إذا انقطع به في سفره وعطبت راحلته: قد انبت، من البت: القطع، وهو مطاوع بت يقال بته وأبته. النهاية 1/92.

([55] )  انظر: الروض المريع: 3/390.

([56] )  الطبراني في الأوسط و أبو نعيم في الطب عن أنس.

([57] )  انظر: من المحاضرة العلمية (صورة من إعجاز الطب والوقائي) التي ألقاها الدكتور حسان شمسي باشا في المؤتمر العالمية للإعجاز العلمي في القرآن والسنة الذي عقد في دبي عالم 2004م.

([58] )   مقال لهارفي ب. سيمون، أستاذ في كلية الطب، جامعة هارفارد.

([59] )   مسلم عن أبي هريرة.

([60] )  انظر: كتاب الطب النفسي، الدكتور حسان المالح، مقال المهنة والاضطرابات النفسية، مع بعض التصرف.

([61] )  الترمذي وأبو داود وروى الدارمي وابن ماجه.

([62] )  هو الجمل الذي يسقي عليه.

([63] )  الدلو الكبير.

([64] )  يعادل 3696متر.

([65] )  كلمة تقال لإناخة البعير.

([66] )  البنات، محرم 1420.

([67] )  البخاري وابن ماجة عن أبي هريرة.

([68] )  انظر: الـتدخـين: مـخاطر التدخين وشركات التبغ، الدكتور محمد علي البار.

([69] )  بلغت القضايا ضد شركات التبغ في الولايات المتحدة أكثر من 800 قضية، واضطرت شركات التبغ إلى تسويات مع الحكومات المحلية للولايات المتحدة بدفع تعويض بمبلغ 386 ألف مليون دولار يتم دفعه على أقساط على مدى عشرين سنة تبدأ من سنة 1999.

وقد كسب مضيفو الطيران في فلوريدا قضية ضد شركات التبغ، وحصلوا على تعويض بمبلغ 350 مليون دولار، كما كسبت شركة بلوكروس شيلو 469 مليون كتعويضات لموظفيها من أضرار التدخين.

ومع أن المملكة العربية السعودية تستورد كميات ضخمة من الدخان سنويا[ بحيث تزداد الكمية المستوردة من التبغ باضطراد.ففي عام 1972 استوردت المملكة 4.5 مليون كيلوجراما من التبغ، ويعادل الكيلوجرام 1250 سيجارة.وازدادت الكمية المستوردة تباعا حتى وصلت 42.5 مليون كيلوجرام عام 1984 بنسبة زيادة سنوية أكثر من 80  %.ولكن الاستهلاك ارتفع مرة أخرى، ففي عام 1994 كانت المملكة تستورد 45 مليون كيلوجراما من التبغ تبلغ قيمتها السوقية أكثر من ألفي مليون دولار ] إلا أن الولايات المتحدة رفضت دعوى مقدمه عن مستشفى الملك فيصل التخصصي بالرياض بالمملكة الذي طالب بآلاف الملايين من الدولارات التي أنفقها المستشفى لمعالجة مرضى التدخين خلال السنوات العشرين الماضية .

كما رفضت مئات بل آلاف القضايا من مختلف دور العالم لأنها لا تقبل التعويض إلا داخل الولايات المتحدة فقط.

([70] )  قامت جريدة عكاظ بإجراء تحقيق مع عدد من الطلاب الذين يشاهدون الأفلام فكان مما قالوه:

قال الشاب سلطان الدوسري: إنني أشتري كل أسبوع ثلاثة أشرطة، أو أكثر وأحرص على مشاهدتها منفردا حتى أستطيع أن أحس بالمتعة، والارتياح، وأرتاح كثيرا لهذه الأفلام التي لا أمل مشاهدتها، إذ يمكنني إذا شدتني أن أستمر في مشاهدتها لأكثر من ست ساعات دون أن أحس بأي ملل.

قال الطالب بسام العقيل: إنني أحرص دائما على اقتناء أشرطة عديدة من خلال اشتراكي في العديد من محلات الفيديو، وذلك لضمان الحصول على عدد معقول من الأشرطة الجديدة، وخاصة ذات الطابع العنيف، والتي أستمتع بها كثيرا، ولذا فقد أمضي النهار كله في مشاهدة الفيديو دون أن أحس بملل.

ويقول عبد الله الحمداني: أنا أشاهد أعدادا كبيرة من الأشرطة تصل غالبا إلى عشرة أشرطة في الأسبوع، حيث أقضي حوالي أربع ساعات يوميا في مشاهدتها. كما أحرص على اقتناء الأفلام ذات الطابع العنيف، والمغامرات والتي تجعلني أستمتع بها كثيرا.

([71] )  البخاري ومسلم.

([72]) ابن أببي شيبة: 7/110.

([73])  الترمذي: 2/379، الدارمي: 29.

([74])  البخاري: 2/539، مسلم: 2/993.

([75])  البخاري: 3/1348، ابن حبان: 15/348، الترمذي: 5/624.